موقع القضية الطبيعية من منظار الملا عبد الله اليزدي
بقلم: محمد حسین ایراندوست*
ترجمة: حسين صافي
ملخص
من المعروف أنّ «القضية الطبيعية» هي إحدى الأقسام الأربعة للقضية الحملية باعتبار الموضوع. صدور الحكم في القضية الطبيعية هو على وجه لا يصح تقدير رجوع الحكم إلى الأفراد. يطلق المناطقة على هذه القضية مصطلح القضية الطبيعية؛ لأنّ الحكم فيها على نفس الطبيعة من حيث الكلية. طُرحت ثلاثة آراء عن «القضية الطبيعية». نتناول في هذا المقال الرأيين الأوليين وعنوانهما «القضية المهملة» و«القضية الشخصية» تحت عنوان «التحويل»٬ والرأي الثالث الذي يقول باعتبار مستقل للقضية الطبيعية ويجعلها قسيم الشخصية والمهملة يطلق عليه «عدم التحويل».
يشرح المقال الرأيين المذكورين: التحويل وعدم التحويل٬ ثم يتناول موقع القضية الطبيعية من منظار الملا عبد الله اليزدي الفيلسوف والمنطيق صاحب الحاشية على تهذيب المنطق (م 981هـ)٬ ثم يجيب عن السؤالين: ما هو معيار تقسيم القضايا الحملية: هل هو التقسيم الرباعي للمتأخرين٬ أو التقسيم الثلاثي للمتقدمين؟ ما هو الوجه المشترك للمقسم وكذلك مقسم القضية الطبيعية؟
الكلمات المفتاحية: القضیة الطبیعیة، القضیة الحملیة، الحاشیة، الملا عبد الله.
عرض المشكلة
لم يعد البحث في القضايا الطبيعية للمنطق في وقتنا الحاضر مسألة ذات أهمية في العلوم العقلية٬ واقتصر تداول هذه القضايا في نطاق المسائل المقررة في المناهج الدراسية لعلم المنطق٬ لكنّه في الماضي كان من بين المسائل المهمة بالغة التعقيد. في الفترة التي سبقت الفيلسوف الشهير ابن سينا كانت القضايا الحملية تنقسم إلى قسمين: مهملة ومحصورة٬ ومعيار هذا التقسيم كان كمّ الأفراد موضوع القضية. ثم طُرح التقسيم الثلاثي (القضايا الشخصية والمهملة والمحصورة). وهو التقسيم الذي اعتمده ابنسینا٬ في الغالب٬ في مصنّفاته. وكان يصنّف القضايا الطبيعية ضمن القضايا المهملة. يبدو أنّ القضايا الطبيعية كانت سائدة ومطروحة في عصر ابن سينا٬ بيد أنّ تحوّل القضية الحملية من التقسيم المثلث إلى المربع (الشخصية والطبيعية والمهملة والمحصورة) حدث في أواسط القرن السابع٬ ومنذ ذلك الوقت جرى تثبيت هذه الأقسام الأربعة.
دوّن عبد الله بن شهاب الدین الیزدي (م ۹۸۱هـ)، حاشيته على كتاب «تهذیب المنطق و الکلام» لسعد الدین التفتازاني٬ وهو في عين إيجازه واختصاره كان يعدّ من النصوص المعتبرة في النظام التعليمي القديم في الحوزات العلمية٬ وقد دوّنت عليه شروح وحواشي كثيرة.[1] وكان كتاب حاشیة الملا عبد الله الیزدي من المناهج الدراسية المهمة وبشكل خاص في الحوزات العلمية في إيران وشبه القارة الهندية.[2]
يسعى المقال إلى شرح موقع القضية الطبيعية من منظار الملا عبد الله اليزدي٬ في الفصل الأول يتناول المسار التاريخي للقضية الطبيعية في المصادر المنطقية٬ ثم يشرح بالبحث والتحليل نظريتي التحويل وعدم التحويل للقضية الطبيعية من وجهة نظر الملا عبد الله اليزدي.
المسار التاريخي للقضیة الطبیعیة
يعود تاريخ القضايا الحملية وتقسيماتها إلى أرسطو عندما قسّمها إلى مهملة ومحصورة.[3] ولا ذكر للقضايا الطبيعية في هذا التقسيم. طبعًا نجد في مصنّفات ابن سينا بعض القضايا الحملية من قبيل «الإنسانُ نوعٌ » لكنّه يصنّفها في خانة القضايا المهملة إلى جانب «الانسانُ ضاحکٌ». في النهج الثالث من الإشارات يعقد فصلًا مستقلًا تحت عنوان القضايا الشخصية والمهملة والمحصورة٬ ولا شيء عن القضايا الطبيعية٬ عدا ذكره لتلك الأقسام الثلاثة التقليدية[4] وعلى نهجه سار شرّاح كتبه. أعني٬ حتى رجال من أمثال الخواجه نصير الدين الطوسي والفخر الرازي اعتبروا القضية الطبيعية قضية مهملة وليست قضية مستقلة. ففي شرحه للنهج الثالث يتبع الخواجه الطوسي خطى المؤلف في تقسيمه الثلاثي التقليدي٬ ويصرّح بوضوح أنّ ما يعتقده المتأخرون في القضية الطبيعية إنّما هي قضية مهملة٬ ويضيف إنّ موضوع القضية المهملة طبيعة شيء من حيث هي. بحسب اعتقاد الخواجة إنّ طبيعة الشيء لا كلية ولا جزئية ولا عامة ولا خاصة ولا كثيرة ولا واحدة. لذا ينبغي إضافة لاحقة أو قرينة إلى طبيعة موضوع القضية لتصل إلى إحدى حالات التخصيص. والحال٬ إذا كانت طبيعة الشيء من حيث هي موضوعًا فستكون القضية «مهملة».[5]
قبل الخواجه الطوسي٬ صرّح عمر بن سهلان الساوي (م 540هـ) أيضًا بأنّ هذه القضايا مهملة. فقد خصّص عنوان الفصل الثالث من المقالة الثالثة من كتابه المنطق لأقسام القضايا الحملية الثلاثة٬ معتبرًا القضايا الطبيعية٬ دون ذكر الاسم٬ قضايا مهملة.[6]
وقطب الدین الرازي (م 766هـ) في «المحاكمات» على شرح الخواجة الطوسي يؤيّده في اعتقاده أنّ القضية الطبيعية هي نفسها القضية المهملة٬ ويذكر التقسيم الثلاثي التقليدي للقضايا الحملية وأنّ المقسم هو طبيعة الشيء،[7] لكنّه في «شرح المطالع» بعد أن يطرح آراء المناطقة٬ يوجّه نقده إلى الرأي القائل بأنّ الطبيعية هي المهملة٬ ليقول في نهاية المطاف بالتقسيم المربع بدلًا من التقسيم الثلاثي التقليدي: «و الأولى ان یربّع القسمة و یقال موضوع القضیّة إن کان جزئیًا حقیقیًّا فهي المخصوصة و إن کان کلیًّا٬ فالحکم إن کان على ما صدق علیه فهي المحصورة أو المهملة و إلّا یکون الحکم على نفس طبیعة الکلي»[8].
وبناًء على هذا٬ نلاحظ بأنّ القضية الطبيعية لم تستقلّ بوضعها حتى أواخر القرن السادس الهجري٬ وكانت٬ في الأغلب٬ في فهرس القضايا المهملة٬ ونادرًا ما كانت تُحسب على القضايا الشخصية٬ ويبدو أنّه بدأ طرح القضية الطبيعية كمسألة منطقية منذ القرن السابع الهجري٬ فقبل ذلك كانت القضايا من قبيل «الانسانُ نوعٌ » و «الحیوانُ جنسٌ » مهملة في الغالب.
نظريتا تحويل وعدم تحويل القضية الطبيعية
لا تعطي نظرية التحويل القضية الطبيعية موقعًا مستقلًا٬ بل تحيلها على إحدى القضايا المهملة أو الشخصية٬ لأنّهم لم يقفوا على أهمية هذه القضية ووجودها٬ أو لم يعتقدوا بأنّ القضية الطبيعية معتبرة ومفيدة٬ أو ربما لم يجدوا فرقًا بين الطبيعية والمهملة. ابتداًء من عصر ابن سينا فما بعد بدأنا نشهد ظهور عبارات في كتب المنطق تحمل دلالة تحويل الطبيعية على المهملة. طبعًا٬ رأي ابن سينا ينسجم تمامًا مع تحويل الطبيعية، لكنّه في بعض أقواله يعبّر عن الطبيعية نفسها بالمهملة وفي أقوال أخرى يحيل عبارات الطبيعية على الشخصية. ففي الإشارة الرابعة من النهج الثالث من كتاب الإشارات يعقد فصلًا مستقلًا بعنوان «إشارة إلى حکم المهمل»٬ يوضّح فيه أنّ موضوع القضية المهملة طبيعة الشيء: «إنّ المهمل لیس یوجب التعمیم لأنه إنما یذکر فیه طبیعة».[9] يعتقد ابن سينا أنّ طبيعة الشيء ليست عامة ولا خاصة٬ وليست كلية ولا جزئية، لكن لها صلاحية أن تُلحظ في موضوع القضية بصورة كلية أو جزئية٬ عامة أو خاصة. أمّا في المهملة فقد لوحظت طبيعة الشيء بصورة بسيطة ومن حيث هي دون قرينة أو لواحق. لذا٬ فلا كلية ولا جزئية. يقول ابن سينا:
«اعلم أنّ المهمل ليس يوجب التعميم٬ لأنّه إما أن تذكر فيه طبيعة تصلح أن تؤخذ كلية٬ وتصلح أن تؤخذ جزئية٬ فأخذها الساذج بلا قرينة كلية٬ وتصلح أن تؤخذ جزئية٬ فأخذها الساذج بلا قرينة٬ مما لا يوجب أن يجعلها كلية. ولو كان ذلك يقضي عليها بالكلية والعموم٬ لكانت طبيعة الإنسان تقتضي أن تكون عامة فما دام الشخص يكون إنسانًا٬ لكنّها لما كانت: تصلح أن تؤخذ كلية٬ وهناك تصدق جزئية أيضًا٬ فإنّ المحمول على الكل محمول على البعض٬ وكذلك المسلوب. وتصلح أن تؤخذ جزئية. ففي الحالتين يصدق الحكم بها جزئيًا. فالمهملة في قوة الجزئية٬ وكون القضية جزئية الصدق تصريحًا لا يمنع أن تكون مع ذلك كلية الصدق. فليس إذا حكم على البعض بحكم٬ وجب من ذلك أن يكون الباقي بالخلاف. فالمهمل٬ وإن كان بصريحه في قوة الجزئي٬ فلا مانع أن يصدق كليًا».[10]
دفعت هذه العبارات الشارح الفاضل الخواجه نصير الدين الطوسي أن يعتبر صراحة قضايا مثل «الإنسانُ نوع» و «الإنسانُ عام» مهملة.[11]
طبعًا بعض أنصار نظرية التحويل يدرجون القضية الطبيعية في فهرس الشخصية، ويحتجّون لذلك بقول لابن سينا. مثلًا قطب الدین الشیرازي (711-634هـ) لم يكن يفرد مكانًا مستقلًا للقضية الطبيعية٬ وفي شرحه لـ«حكمة الإشراق» للسهروردي لا يذكر شيئًا عن الطبيعية كما فعل المؤلف٬ ويدرج الطبيعية في كتابه «درة التاج» في زمرة القضايا الشخصية٬ وعلى غرار المناطقة السابقين يعقد فصلًا مستقلًا تحت عنوان «في الخصوص والحصر وإهمال القضايا»٬ ويدافع عن التقسيم الثلاثي التقليدي٬ طبعًا مع علمه واطلاعه بالتربيع، لكنّه لا يستحسنه٬ فيقول: «إذن٬ التقسيم ثلاثي٬ وأنّ التربيع كما قال به البعض غير مستحسن، لأنّه مخلّ بالحصر»٬[12] علاوة على ذلك٬ فإنّ قطب الدين الشيرازي ينقل رأي ابن سينا في الإشارات والتنبيهات بأنّ الطبيعية هي المهملة٬ ويقول لكنّه في «الشفاء» يذكر بأنّ الطبيعية هي الشخصية[13]٬ ثم بعد ذلك يعمل الشيرازي على التوفيق بين رأيي ابن سينا في الإشارات والشفاء فيتناهى إلى ذهنه أنّ الطبیعیة هي نفسها الشخصیة: «يمكن التوفيق بين الشفاء والإشارات بالقول: صحيح أنّه صرّح في الشفاء أنّ "الإنسان نوع" شخصية وليست مهملة٬ لكنّه لم يصرّح في الإشارات أنّها مهملة وليست شخصية» وبالتالي يبيّن رأيه الدقيق المتمثّل في تحويل الطبيعية إلى شخصية بالقول: «أمّا إذا كان الغرض من ذلك تعيين الطبيعة بواسطة لحوق المعنى العام بها٬ فلا حاجة٬ لأنّه موضوع الشخصية لا المهملة٬ وهذه من الدقائق».
جاء بعد ابن سينا مناطقة مثل الفخر الرازي التزموا بنظرية التحويل٬ واعتبروا صراحة القضية الطبيعية جزءًا من المهملة. وفي مبحث القياس في شرحه «الإشارات» لابن سينا يشير إلى الإشكال المشهور المطروح في قياس الشكل الأول أنّنا إذا بطريق الشكل الأول قلنا: «الإنسان حيوان»٬ و«الحيوان جنس» لا بد أن نستنتج بأنّ «الإنسان حيوان» و«الحيوان جنس» نتيجة كاذبة. ثم ينقل عدّة أجوبة لابن سينا والآخرين ويقول في الختام: «هیهنا جواب أظهر منه و هو أنّا إذا قلنا: الإنسان حیوان؛ فإن قلنا: الحیوان جنس؛ کانت الکبرى مهملة فکانت جزئیّة فلاتنتج».[14] إذن٬ تأدّى من تحويل الطبيعية أنّ رجلًا مثل الفخر الرازي اعتقد٬ شأنه شأن سائر المناطقة المتقدمين٬ بالأقسام الثلاثة للقضايا الحملية٬ ولم يذكر شيئًا عن الطبيعية.
رأي شيخ الإشراق أيضًا يمكن اعتباره منسجمًا مع الرأي القائل بتحويل الطبيعية إلى المهملة؛ ففي «منطق التلويحات» يستعين بمثال الطبيعية عند تحليله للقضية المهملة ويقول الألف واللام (أل) أحيانًا تشير إلى حقيقة ذهنية مثل «الانسانُ نوعٌ» ويشرح سبب ذلك بالقول أنّ (أل) في «الإنسان نوع» تشير إلى الحقيقة الموجودة في الذهن لا إلى الشمول٬ وهو ما يفسّر تعذّر الاستعاضة عن (أل) بكلمة (كل).[15]
ورد اسم الخواجه الطوسي (598-672هـ) في زمرة القائلين بنظرية التحويل. ففي شرحه للإشارات يتحدّث بصراحة أكبر قياسًا بسائر مصنّفاته عن مسألة تحويل الطبيعية إلى المهملة. ونهجه في ذلك هو كل ما قاله المتأخرون حول الطبيعية عزاه الخواجه إلى المهملة:
«إنا نعني بکل ج في «کل ج ب»، کلُ ما یقال له ج و یوصف بـ ج لاما هو طبیعة ج نفسها کما في المهملات٬ و ذلک لأن لفظ کُل لایضاف إلیها هناک»[16]
تشير عبارة «لا ما هو طبیعة ج نفسها کما فی المهملات» إلى أنّ المهملة باعتقاد الخواجه قضية موضوعها نفس طبيعة الشيء لا كل أفراد الموضوع٬ ولا الأفراد المتّصفين بالموضوع. ويقول بشكل واضح وشفاف في مواضع أخرى من شرح الإشارات: «أقول: الحکم في المهملة على الطبیعة المجردة»[17] وهو التعريف الذي ذكره المتأخرون على الطبيعية٬ أي القضية التي موضوعها طبيعة الشيء من حيث هي. وفي موضع آخر من هذا الكتاب يبني تقسيمه الثنائي على محور طبيعة الشيء ويجعل مقسم جميع الأقسام الثلاثة للحملية «طبيعة الشيء» ويقول أنّ طبيعة الشيء إما من حيث هي موضوع الحملية وإما لا. فتسمى الحالة الأولى المهملة والثانية المحصورة والشخصية: «فَلا یَخلو تلک الطَبائع إما أن یحکم عَلیها من حَیث هی أو یحکم علیها مع لاحق... یحصل من الأول قضیةً مهملة».[18] ويتابع هذه العبارات فيعتبر المثالين «الإنسانُ نوع» و «الإنسانُ عام» مهملين.
طبعًا نتيجة لهذه الرؤية يذكر في كتابه «أساس الاقتباس» الأقسام الثلاثة التقليدية (الشخصیة، المهملة، المحصورة)٬ ولا أثر للطبيعية في هذا المصنَّف المنطقي.[19]
ويقينًا٬ لا يمكن أن نحتمل أنّ الخواجه الطوسي كان غافلًا عن اعتبار القضية الطبيعية بوصفها قضية مستقلة في نظرية عدم التحويل؛ لأنّه كان مطلعًا تمامًا على آراء بعض الأشخاص مثل أثير الدين الأبهري (664-597هـ) أحد المعتقدين بنظرية عدم التحويل٬ وأحيانًا كان يشير إلى اكتشافاته٬ لكنّه لم يتناول نظرية عدم التحويل بالنقد، ولم يؤيّد رأيه٬ وبالنسبة لتقسيم الحمليات اختار التقسيم الثلاثي التقليدي.
عمر بن سهلان هو الشخص الوحيد الذي كان يعتقد بنظرية التحويل٬ وأنّ القضية الطبيعية مهملة لكنّه في تقسيم الحمليات كان يقول بالتقسيم المربّع بدلًا من التقسيم المثلث. يقول عمر بن سهلان:
«فالقضایا الحملیة هي هذه الأربع مخصوصة و مهملة و محصورة کلیة و محصورة جزئیة».[20] مشكلة هذا التقسيم لحاظ قسم القسيم بدلًا من القسيم. إذا تجاوزنا المناطقة المتقدمين٬ فحتى بعض المتأخرين يؤكّد على نظرية تحويل الطبيعية إلى المهملة٬ وقد كتب رسالة مستقلة في إثبات وحدة المهملة والطبيعية.[21]
بيد أنّ جذور نظرية عدم التحويل تعود إلى أوائل القرن السابع الهجري٬ عندما وجّه اَفْضَلُ الدّینِ الخونَجي (646-590هـ) نقدًا إلى نظرية التحويل وطرح نظرية عدم تحويل الطبيعية إلى مهملة بالاستناد إلى كتاب «الشفاء» لابن سينا ومثال «الانسانُ نوعٌ» ورفض اعتبارها مهملة. في ضوء تدوين كتاب «کشف الأسرار عن غوامض الأفکار» يمكن القول أنّ الخونجي هو أول منطيق منتقد لنظرية التحويل جعل للطبيعية موقعًا مستقلًا٬[22] وسار على نهجه معاصروه٬ وتبنّوا نظرية عدم التحويل. مثلًا يرى أثیر الدین الأبهري (597-664هـ) في كتابه «کشف الحقائق» أنّ قضايا مثل «الإنسانُ نوعٌ» طبیعیة. أو نجم الدین الکاتبي (675-617هـ) تلميذ الأبهري وشارحه٬ الذي يعتقد بنفس عقيدة أستاذه في عدم التحويل٬ حيث يقول في بعض مصنّفاته أنّ القضية الطبيعية معتبرة٬ ويطرح التقسيم المربّع. وكذلك سعد الدین التفتازاني (722-794 هـ) يقول بالتقسيم المربع في رسالته «تهذیب المنطق والکلام»٬[23] ومحشّي هذا الكتاب الملا عبد الله اليزدي أيضًا يعتقد بنفس النظرية. على أيّ حال٬ فنظرية التقسيم المربّع قد ترسّخت في أوساط معظم المتأخرين مثل ميرداماد وصدر الدين الشيرازي والحكيم السبزواري.
موقع القضية الطبيعية من منظار الملا عبد الله
كان الملا عبد الله الیزدي جامع المعقول والمنقول٬ وقد درس العلوم العقلية على الملا جمال الدين محمود تلميذ العلامة الدواني. كتب حاشية على رسالة التفتازاني الشهيرة «تهذیب المنطق و الکلام»، وكانت تدرّس في الحوزات العلمية الشيعية في إيران وشبه القارة الدينية كإحدى المناهج الدراسية المهمة٬[24] كما دوّنت حواش عديدة على حاشیة الملا عبد الله، منها٬ مثلًا٬ حاشية عبد الرزاق اللاهیجي، وحاشية المیرزا محمد علی قراجه داغی، وحاشية الملا نظر علي الجیلاني وحاشية المیرزا علي رضا تجلي.
في هذا الكتاب يقف الملا عبد الله إلى جانب الملتزمين بنظرية عدم التحويل. ويفرد للقضية الطبيعية موقعًا مستقلًا٬ وفي تقسيمه المنطقي الثنائي يعتبر الطبيعية قضية الحكم فيها هو على نفس «حقيقة الكلي»: «أن یَکونَ الحکم على نَفس حقیقة هذا الکلي». والمقصود من «هذ الكلي» الكلي المذكور في المرحلة الأولى من تقسيم الثنائية في مقابل الجزئي الحقيقي: «الموضوع إما جزئي حقیقي کقولنا: «هذا إنسان» أو کلي». وبناًء عليه فإنّ «هذا الکلي» هو الشيء الذي يقابل الجزئي الحقيقي٬ والمفهوم الذي يصدق على الكثيرين. وهو أعم من أن يكون ماهية وطبيعة كلية (مثل الإنسان، الشجر و..)٬ أو مفهومًا كليًا (مثل الإمکان، الامتناع و...). وكذلك أعم من أن يكون كليًا منطقيًا أو كليًا فلسفيًا أو كليًا طبيعيًا.
إذن٬ نستنتج من هذا الجزء من عبارة المرحوم الملا عبد الله أنّ الحكم على كل مفهوم في القضية الطبيعية٬ وفقًا لنظرية عدم التحويل٬ هو حكم عام وكلي٬ وعلى الرغم من وجود مصاديق له٬ فإنّ حيثيته المفهومية أُخذت بالاعتبار وليس حيثية صدقه. لهذا٬ فإنّ ما يذكره في مقابل موضوع الطبيعية في المرحلة الثانية من تقسيمه الثنائي هو الأفراد والأشخاص: «الحُکم على نَفس حقیقة هذا الکلي أو على أفراده».
يذكر الملا عبد الله القضیة الطبیعیة كقسم في مقابل قسم آخر٬ وقسيمها القضية التي تتعلق بالحكم على أفراد الموضوع. وقد حذا المناطقة حذوه تارةً في قسيم الطبيعية٬ وتارةً أخرى اعتبروا قسيمها القضية التي تعيّن كمّ الأفراد. ويذكر المرحوم المیرزا محمد علي في حاشیته على حاشیة الملا عبد الله نفس هذه النقطة قائلًا: «إنّه جعل الطبیعیة قسمًا و مقابلًا لمّا حکم فیه على الأفراد لا لما بین فیه کمیّة الافراد»٬[25] و قسيم الطبيعية من منظار الملا عبد الله قضية لم يحمل الحكم فيها على أفراد الموضوع. ثم ينقل المرحوم المیرزا محمد علي، رأي نجم الدین الکاتبي (675-617هـ) من أنّ قسيم الطبيعية قضية تعيّن فيها كمّ الأفراد: «و ان لم یبیّن فیها کمیة الأفراد فإن لم یصلح لأن یصدق کلیة و جزئیة سمیت طبیعیة٬ و إن صلحت لذلک سمیت مهملة»٬ بمعنى أنّ الموضوع إمّا جزئي وشخصي وإمّا كلي٬ وفي الحالة الثانية٬ إمّا يبيّن فيه كمّ الأفراد أو لا يبيّن. فإذا بيّن كمّ الأفراد كان محصورًا٬ وإذا لم يبيّن كمّ الأفراد في موضوع القضية٬ حينئذ إمّا أن يكون الموضوع على نحوٍ لا يصلح أن تصدق عليه الكلية والجزئية أو يصلح. فتكون الأولى طبيعية والثانية مهملة. هذا التقسيم المنقول عن نجم الدين الكاتبي ينطوي على هذه الشائبة وهي أنّ موضوع الطبيعية أيضًا على الأفراد٬ ولكن لم يبيّن كمّها والحال أن هذا أيضًا ليس مقصود الكاتبي.
ويتابع المرحوم الملا عبد الله فيقدّم وصفًا أكبر عن موضوع الطبيعية فيستعرض خصائصها كما يلي: «الطبیعیة لا یبحث عنها في العلوم أصلًا فإنّ الطبائع الکلیة من حیث نفس مفهومها کما هو موضوع الطبیعیة لا من حیث تحقّقها في ضمن الأشخاص غیر موجودة فی الخارج».[26] هنا يصف موضوع القضية الطبيعية بنحو أخص وأضيق. يمتاز الموضوع في هذه العبارة ببضعة خصائص:
- موضوع الطبیعیة من «الطبائع الکلیة». وعليه فليس كل مفهوم ذهني يشمل معنى (ما یُفهَم). فمن ناحية٬ الطبائع الكلية غير موجودة في الخارج بالفعل. وعلى قول ابن سينا «لیس یمکن أن تکون الطبیعة توجد في الأعیان و تکون بالفعل کلیة»٬[27] فوصف الكلية للطبيعة ثابت ما دام متحقّقًا في الذهن. لذا٬ فموضوع الطبيعية ليس وصف الكلية بل موصوفها.
- لقد ورد الموضوع٬ لجهة الحيثية المفهومية٬ في منظومة القضية؛ ذلك أنّ الطبائع الكلية أيضًا ذات حيثيتين٬ حيثية مفهومية وأخرى مصداقية٬ والمقصود هنا الحيثية المفهومية.
- موضوع الطبیعیة غير موجود في الخارج٬ لأنّه لم يُلحظ تحقّق الطبائع الكلية في ضمن الأشخاص في موضوع الطبيعية.
مقسم الطبیعیة
في التقسيم المربّع أو المثلّث٬ اعتبر البعض أنّ المقسم هو القضية الحملية بكل أركانها (الموضوع والمحمول والرابطة)٬ بينما اعتبر بعض آخر المقسم هو موضوع القضية فقط. والمقسم عند المرحوم الملا عبد الله هو القضية الحملية. في رسالته «تهذيب المنطق» يطلق سعد الدین التفتازاني على المقصد الأول عنوان «التصورات» وعلى المقصد الثاني «التصدیقات». في بداية المقصد الثاني يقسّم القضايا الحملية بلحاظ الموضوع٬ ويعتبر «موضوع القضية» مقسم الطبيعية ويقول:
«و الموضوع إن کان مشخصا سمیت القضیة شخصیة و مخصوصة٬ و إن کان نفس الحقیقة فطبیعیة٬ و إلّا فإنّ بین کمیة أفراده کلًا أو بعضًا فمحصورة کلیة أو جزئیة و ما به البیان سور و إلا فمهملة.»[28]
ثمّة مبادئ مطروحة بالنسبة للتقسيم المربع للتفتازاني:
المبدأ الأول: مقسم هذا التقسيم هو «موضوع القضية» لا جميع أركانها.
المبدأ الثاني: تركيبة التقسيم ثنائية منطقية بصيغة الترديد بين النفي والإثبات[29]٬ فموضوع القضية إمّا شخصي جزئي أو لا. في حال الإثبات «شخصية»٬ وفي حال النفي يستمر التقسيم فيكون الموضوع إمّا نفس الطبيعة الكلية أو لا، في حال الإثبات «طبيعية» وفي حال النفي يستمر التقسيم فيكون الموضوع إمّا كمّ الأفراد محدّدًا أو لا. في حال الإثبات «محصورة» وفي حال النفي «مهملة».
المبدأ الثالث: معیار تقسیم الثنائیة الأولى٬ تشخّص موضوع القضية. التشخّص يعني التشخّص الجزئي. أي أن يكون شخصًا خاصًا لا يصدق على الكثيرين٬ مثل الإنسان بشرط شيء٬ بمعنى٬ ماهية تتوفر على جميع شروط فرد خاص. في هذه الحال٬ وحيث أنّ التشخّص يتنافى مع الكلية٬ فإنّ قسيمه هو الكلي الذي يستمر التقسيم من ناحية قسيمه.
المبدأ الرابع: معیار تقسیم الثنائیة الثانية كمّ الأفراد. إذا كان الكمّ معينًا فالقضية «محصورة» وإلّا فهي «مهملة».
في شرحه لهذه العبارات يؤيّد المرحوم الملا عبد الله الیزدي بعضًا من المبادئ الأربعة أعلاه٬ أعني٬ يؤيّد المبادئ الثانية والثالثة والرابعة دون المبدأ الأول؛ ويقول أنّ مقسم هذا التقسيم المربع هو «القضية الحملية»:
«هذا تقسیم للقضیة الحملیة باعتبار الموضوع٬ و لهذا لوحظ فی تسمیة الأقسام حال الموضوع فیسمى ما هو موضوعه شخص شخصیة و على هذا القیاس»[30]
فالمقسم عنده «القضیة الحملیة» لا موضوعها. وحيث أنّ أحد الشروط المنطقية للتقسيم أن نلحظ جهة واحدة في المقسم لتُتّخذ هذه الجهة كمعيار وأساس للتقسيم.[31] وعليه٬ فـ «الموضوع» هو تلك الجهة الواحدة الملاحظة في التقسيم. بعبارة أخرى٬ «الموضوع» هو المعيار والأساس في التقسيم المربع لا مقسمه.
بعد ذلك يؤيّد المرحوم الملا عبد الله المبدأ الثاني ويصف تقسيم التفتازاني بأنّه تقسيم ثنائي منطقي ويقول:
«محصل التقسیم: أنّ الموضوع إما جزئي حقیقي کقولنا: «هذا إنسان» أو کلي، و على الثاني فإما أن یکون الحکم على نفس حقیقة هذا الکلي أو على أفراده٬ و على الثاني فإما أن یبین کمیة الأفراد المحکوم علیها بأن یبین أن الحکم على کلها أو على بعضها أو لا یبین ذلک بل یهمل، فالأولى شخصیة و الثانیة طبیعیة و الثالثة محصورة و الرابعة مهملة»[32]
هذا التقسيم بصيغة الترديد بين النفي والإثبات٬ وأنّ نافذة توسعة التقسيم تمر عبر النفي. لذا٬ فأقسام الحملیة تنحصر في أربعة أقسام. والموضوع وأحواله هو معيار هذا التقسيم الثنائي. والحال أنّه أولًا٬ تمّ لحاظ الموضوع في المرحلة الأولى من هذا التقسيم وهو الجزئي الحقيقي٬ وقالوا في تعريفه: «إنّ الجزئي الحقیقيّ لا یحمل على کلّه بالمواطاة٬ و إنه ینقسم إلى علم شخص و علم جنس».[33]ولكي يتناقض قسما الثنائية لئلا يُفترض شق ثالث فقد ذكر معيار «الجزئي الحقيقي» للموضوع؛ لأنّ نفس تصور الجزئي الحقيقي يمنع المشاركة ونفس التصور الكلي لا يمنع. وهذان الاثنان نقيضان. وفي المرحلة الثانية من الثنائية بيّن معيار «سريان الحكم إلى أفراد الموضوع» وهو أنّ الحكم إما يسري على أفراد الموضوع أو لا يسري. وفي المرحلة الثالثة يذكر معيار «كمّ الأفراد» للموضوع؛ أي٬ في المراحل الثلاثة جميعها اتّخذ كل حال من أحوال الموضوع معيارًا جديدا للتقسيم، لذا فالمقسم في هذا التقسيم المربع هو «قضية حملية»٬ ويعتبر «الموضوع» بحالاته الثلاث (الجزئية٬ السريان٬ الكمّ) جهة واحدة لوحظت في المقسم. أي إنّ «الموضوع» هو معيار التقسيم المربع وأساسه٬ وليس مقسمه.
قبل التفتازاني٬ كان قطب الدين الرازي (647 – 766هـ) أحد عظماء علماء الإسلام ومفاخر الشيعة في علم المنطق والكلام والفلسفة قد طرح في كتاب تحرير القواعد المنطقية في شرح الشمسية٬ وهو شرح على كتاب الشمسية لنجم الدين عمر بن علي الكاتبي القزويني (۶۷۵هـ) طرح هذا التقسيم الثنائي واعتبر المقسم «القضية الحملية»٬ ومعيار التقسيم هو موضوع القضية.[34]
وكان ابن سينا قد ذكر هذا التقسيم بهذا الأسلوب الثنائي والترديد بين النفي والإثبات، ولكنّ أقسامه لم تزد عن الثلاثة «الشخصية والمهملة والمحصورة».[35] طبعًا كان موضوع القضية هو المقسم في تقسيم ابن سينا٬ وقد انتقد المتأخرون تقسيم ابن سينا هذا٬ حسبما ذكر قطب الدين الرازي وآخرون٬ محتجين أنّ هذا التقسيم لا يشمل جميع الأقسام٬ إذ لم تُذكر القضية الطبيعية ضمن أقسام الحملية٬ فكان جواب قطب الدين الرازي على ذلك:
«و الجواب أنّ الکلام فی القضیّة المعتبرة فی العلوم، و الطبیعیّات لا اعتبار لها فی العلوم، لأنّ الحکم فی القضایا على ما صدق علیه الموضوع - و هی الأفراد - و الطبیعة لیست منها»[36]
لو أردنا أن نحلّل ردّ قطب الدين الرازي من وجهة نظر الملا عبد الله فلا يبدو أنّ هذا الجواب وافيًا وتامًا؛ لأنّ ابن سينا ذكر في تقسيمه القضايا «الشخصية» و«المهملة» أيضًا٬ حيث أنّ هذه القضايا٬ من وجهة نظر الملا عبد الله٬ ليست من العلوم المعتبرة٬ وطبقًا لهذا التحليل ما كان للشخصية والمهملة أيضًا أن تذكرا. بحسب اعتقاده القضية المحصورة هي وحدها المعتبرة ولا غير٬ وسنأتي على بسطها وتفصيلها في مبحث تقييم اعتبار القضية الطبيعية.
ثمّة إشكال آخر على ردّ القطب الرازي وهو أنّ الحكم في القضايا الطبيعية أيضًا هو «على ما صدق عليه الموضوع»، غير أنّ مصداق أو فرد كل مفهوم هو بحسب ذلك المفهوم. فالفرد والمصداق هما طبيعة الشيء في الذهن.
تقييم القضية الطبيعية
في كتابه الحاشية يبيّن المرحوم الملا عبد الله الأقسام الأربعة للحمليات٬ ثم يقيّم اعتبار كل قسم. في البداية٬ وبعبارة موجزة واحدة يعتقد باعتبار القضايا المحصورة فقط: «اعلم: أن القضایا المعتبرة فی العلوم هی المحصورات الأربع لا غیر»[37]
وفي معرض تبيينه لأسباب عدم اعتبار المهملة يقول: « إذ کلما صدق الحکم على أفراد الموضوع فی الجملة صدق على بعض أفراده»
باعتقاد الملا عبد الله المهملة والجزئية متلازمتان وسبب هذا التلازم هو أنّه في القضايا المهملة فإنّ الحكم يحمل على أفراد الموضوع «في الجملة». وفي هذه الحال يكون الحمل على بعض الأفراد قطعيًا. وعليه٬ فالمهملة تقع تحت طائل القضايا الجزئية. والقضایا الشخصیة أيضًا بلا اعتبار لأنّ المعرفة والإطلاع الذي يحصل من الشخصية لا اعتبار له لسببين:
أولًا: إنّها معرفة جزئية٬ بينما المعرفة المعتبرة يجب أن تكون كلية. ثانيًا: متغيرة وغير ثابتة. ولذلك٬ فإنّ العلم بالشخصية ليس كمالًا. ويذكر سببين اثنين أيضًا في عدم اعتبار القضايا الطبيعية:
أولًا: لا تستخدم الطبيعية بأيّ حال في العلوم. ثانیًا: لا يوجد موضوع الطبیعیة في الخارج٬ وإنّما له حيثية مفهومية فحسب٬ وليس له تحقق في ضمن الأشخاص. من هنا فإنّ المعرفة والاطلاع بهكذا موضوع والتعرّف على أحواله وأحكامه لا يعدّ كمالًا للإنسان. عین عبارة الملا عبد الله هي:
«و الطبیعیة لا یبحث عنها فی العلوم أصلاً فإن الطبائع الکلیة من حیث نفس مفهومها کما هو موضوع الطبیعیة لا من حیث تحققها فی ضمن الأشخاص غیر موجودة فی الخارج فلا کمال فی معرفة أحوالها».[38]
إذن٬ باعتقاد الملا عبد الله أنّ من بين الأقسام المذكورة في التقسيم المربع وحدها القضايا المحصورة هي المعتبرة: «فانحصر القضایا المعتبرة فی المحصورات الأربع»، ولكن لأنّ الكمّية المذكورة في الموضوع تارةً تكون كلية شاملة لجميع الأفراد٬ وتارةً أخرى تشمل بعضهم٬ فإنّ القضية المحصورة تنقسم إلى قسمين كلّي وجزئي. من ناحية ثانية٬ لو أضيف إلى الاهتمام بكمية القضية الاهتمام بكيفيتها أيضًا٬ لانقسمت القضية إلى قسمين: موجب وسالب٬ ولكان حاصل ضرب كم وكيف القضية تحقّق أربعة أنواع قضايا معتبرة في علم المنطق.
ينتقد المرحوم المیرزا محمد علي في حاشيته على الحاشية كلام الملا عبد الله سلب اعتبار القضايا الطبيعية ويعتقد أنّ القضايا الطبيعية في علم المنطق معتبرة تمامًا٬ وأنّها جزءًا من مسائل هذا العلم. وبخلاف ما يعتقد الملا عبد الله من أنّ معرفة موضوع الطبيعية والاطلاع حول أحواله وأحكامه ليس كمالًا، يقول المرحوم الميرزا محمد علي أنّه في مواضع عدّة من علم المنطق تمّ البحث في أحوال وأحكام موضوع القضية الطبيعية. مثلًا قيل في الشكل الأول للقياس أنّ الطبيعية في كبرى الشكل الأول غير منتجة. أو أنّه في مبحث عكس المستوى يتحدّث عن أحواله. لذا٬ فالطبيعية في علم المنطق معتبرة.
بعد ذلك وفي معرض دفاعه عن هذه الأشكال يقول: ربما كان ما يقصده الملا عبد الله اعتبار هذه القضايا في علم الفلسفة والحكمة لا في مطلق العلم.[39]
نتيجة البحث
- بالنسبة لمكانة القضية الطبيعية ثمة نظريتان مطروحتان: التحويل وعدم التحويل٬ كان الملا عبد الله اليزدي يعتقد بنظرية عدم تحويل الطبيعية.
- لم ينظر ابن سينا وشرّاحه إلى القضية الطبيعية كقضيلة مستقلة٬ وفي الغالب كانوا يصنّفونها كقضية مهملة٬ وفي أحيان أقل قضية شخصية٬ وقد تأثّر الشرّاح في هاتين النظريتين التحويليتين أعني المهملة أو الشخصية بازدواجية كلام ابن سينا في الإشارات والشفاء.
- وفقًا لرأي الملا عبد الله اليزدي إنّ موضوع القضية الطبيعية من «الطبائع الكلية»٬ والطبائع لجهة الحيثية المفهومية قد وردت في منظومة القضية، ولذلك فهي ليست متحققة في الخارج٬ كما أنّها لا تشمل كل مفهوم ذهني. موضوع هذه القضية ليس وصف الكلية بل موصوفها.
- يعتقد بعض المناطقة أنّ مقسم الطبيعية القضية الحملية بكل أركانها (الموضوع و المحمول و الرابطة)٬ وبعض آخر يعتقد أنّ المقسم هو فقط موضوع القضية٬ وبعض ثالث «طبيعة الشيء»، وبالنسة للملا عبد الله الیزدي فإنّه يرى المقسم في هذا التقسيم المربع «القضية الحملية» لا موضوعها، وينظر إلى «الموضوع» كجهة واحدة ملحوظة في المقسم. أعني٬ أنّ «الموضوع» هو معیار التقسيم المربع وأساسه وليس مقسمه.
- وفقًا لرأي الملا عبد الله٬ لا اعتبار للقضايا الطبيعية لسببين: الأول هو أنّ الطبيعية لا تستخدم بأيّ وجه في العلوم. والثاني لا يوجدّ موضوع الطبيعية في الخارج وإنّما له حيثية مفهومية فحسب٬ من هنا فإنّ المعرفة والاطلاع بهكذا موضوع والتعرّف على أحواله وأحكامه لا يعدّ كمالًا للإنسان. وقد تعرّض هذا الرأي لنقد الآخرين.
المصادر:
- ابن سینا، حسین بن عبد الله؛ الاشارات و التنبیهات؛ مع الشرح للمحقق الطوسی، قم: نشر البلاغة، 1375.
- ــــــــــ ؛ الشفا؛ قم: مرعشی نجفی؛ تصحیح: سعید زائد قنواتی؛ 1404هـ.
- ارسطو؛ المنطق؛ حققه و علق علیه: عبدالرحمن بدوی؛ بیروت: 1980م.
- جمعية المفاخر الثقافية؛ اثرآفرینان؛ 1380؛ ج 6.
- بجنوردی وآخرون؛ دائرة المعارف بزرگ اسلامی؛ ط. الأولى؛ مرکز دائرة المعارف بزرگ اسلامی؛ طهران: ۱۳۸۷.
- التفتازاني، سعد الدین؛ تهذیب المنطق والکلام؛ مصر: مطبعة السعاده؛ 1912م.
- جبر، فرید؛ موسوعة مصطلحات علم المنطق؛ لبنان: مکتبه ناشرون؛ 1996م.
- جلوه، أبو الحسن؛ المهملة هی الطبیعیة؛ تصحیح: غلام حسین رضا زاده؛ گلشن جلوه؛ إعداد: غلام رضا گلی زواره؛ قم، 1375.
- الحلي (العلامة)، حسن بن یوسف؛ القواعد الجلیة فی شرح رسالة الشمسیة؛ تحقیق: فارس حسون تبریزیان؛ قم،1412ھ .
- ـــــــــــــ ؛ الجوهر النضید فی شرح منطق التجرید؛ قم: 1363ش.
- الرازی، قطب الدین؛ لوامع الاسرار فی شرح مطالع الانوار؛ قم: منشورات کتبی نجفی؛ بلا تاريخ.
- الساوی، عمر بن سهلان؛ البصائر النصیرية؛ طهران: منشورات شمس تبریزی؛ 1383.
- السهروردي، شهاب الدین؛ منطق التلویحات؛ تحقیق: علي أکبر فیاض؛ طهران، 1334.
- الشیرازي، قطب الدین؛ درة التاج لغرة الدباج؛ تصحیح: السید محمد مشکوة؛ طهران: منشورات حکمت؛ 1369.
- الطوسي، الخواجه نصیر الدین؛ اساس الاقتباس؛ تصحیح: السید عبد الله انوار؛ طهران: نشر مرکز، 1375.
- الفخر الرازي، شرح الاشارات؛ منشورات جمعية الآثار والمفاخر العلمية؛ 1384.
- فرامرز قراملکی، احد؛ از طبیعیه تا محمول درجه دو؛ مقالات و بررسیها؛ العدد 74، 1382.
- الیزدي، الملا عبد الله؛ الحاشیه علی تهذیب المنطق؛ قم: مؤسسة النشر الاسلامی؛ 1412هـ.
* أستاذ مساعد في الجامعة الإسلامية الحرة بقم.
[1]. بجنوردی وآخرون؛ دائرة المعارف بزرگ اسلامی؛ ج ۱۵، ص ۶۷۰.
[2]. المصدر نفسه.
[3]. ارسطو؛ المنطق؛ ص 139.
[4]. ابن سینا، حسین بن عبد الله،؛ الاشارات و التنبیهات؛ ص 15.
[5]. الطوسی، الخواجه نصیر الدین؛ اساسالاقتباس؛ ج 1، ص 120.
[6]. الساوی، عمربن سهلان؛ البصائر النصیریه؛ ص 173.
[7]. الطوسی، الخواجه نصیر الدین؛ اساس الاقتباس؛ ج 1، ص 119.
[8]. الرازی، قطب الدین؛ اللوامع الاسرار فی شرح مطالع الانوار؛ ص 121.
[9]. ابن سینا، حسین بن عبد الله؛ الاشارات و التنبیهات؛ ج 1، ص 120.
[10] ابن سينا٬ الإشارات والتنبيهات٬ صص 233 – 234.
[11]. المصدر نفسه، ص 121.
[12]. الشیرازی، قطب الدین؛ درة التاج لغرة الدباج؛ ص 349.
[13]. المصدر نفسه؛ ص 350.
[14]. الفخر الرازی؛ شرح الاشارات؛ ج 1، ص 287.
[15]. السهروردی، شهاب الدین؛ منطق التلویحات؛ ص 21.
[16]. الطوسی، الخواجه نصیر الدین؛ اساس الاقتباس؛ ج 1، ص 162.
[17]. المصدر نفسه؛ ج 1، ص 121.
[18]. المصدر نفسه؛ ص 117.
[19]. المصدر نفسه؛ ص 74.
[20]. الساوی، عمر بن سهلان؛ البصائر النصیریه؛ ص 173.
[21]. جلوه، ابو الحسن؛ المهملة هی الطبیعیة؛ ص 121.
[22]. قراملکی، احد فرامرز؛ از طبیعیه تا محمول درجه دو؛ ص 41.
[23]. التفتازانی، سعد الدین؛ تهذیب المنطق والکلام؛ ص 8.
[24]. بجنوردی وآخرون؛ دائرة المعارف بزرگ اسلامی؛ ج 15، ص 670.
[25]. الیزدی، الملا عبد الله؛ الحاشیه علی تهذیب المنطق؛ ص 271.
[26]. المصدر نفسه.
[27]. ابن سینا؛ الشفا، ص 112.
[28]. التفتازانی، سعد الدین؛ تهذیب المنطق والکلام؛ ص8.
[29]. المظفر، محمد رضا، المنطق؛ ص 117.
[30]. المصدر نفسه؛ ص 58.
[31]. المصدر نفسه؛ ص 112.
[32]. المصدر نفسه.
[33]. جبر، فرید؛ موسوعة مصطلحات علم المنطق؛ ص 237.
[34]. الرازی، شرح مطالع الانوار فى المنطق؛ ص 243.
[35]. ابن سینا، حسین بن عبد الله، الاشارات و التنبیهات؛ ج 1، ص 117.
[36]. الرازی؛ شرح مطالع الانوار فى المنطق؛ ص 244.
[37]. الیزدی، الملا عبد الله؛ الحاشیه علی تهذیب المنطق؛ ص 58.
[38]. المصدر نفسه.
[39]. المصدر نفسه؛ ص 276.