ترجمة: حسين صافي
ملخص:
ما فتئ العصر الصفوي منذ القدم وحتى اليوم عرضة لسهام نقد العديد من الكتّاب في الداخل والمستشرقين الأجانب في الخارج٬ وطُرحت آراء وعقائد مختلفة فيما يخصّ انحطاط العلم والمعرفة وأفول الظواهر الحضارية في إيران في العصر الصفوي حتى صار يقال أنّ هذا العصر لم يشهد بروز عالم أو أديب مرموق. ويراد من وراء هذه الآراء طمس عظمة رجال عظام أنجبهم ذلك العصر من أمثال ميرداماد وصدر الدين الشيرازي وصائب تبريزي والملا عبد الله اليزدي والشيخ البهائي.
وقد انبرى قائد الثورة الإسلامية إلى دحض هذه الآراء بشدّة قائلًا: إنّ العصر الصفوي من أكثر عصور التاريخ الحضاري الإيراني والإسلامي ازدهارًا وتألّقًا٬ وأنّه لم يُسلّط الضوء على هذا العصر كما هو حقّه. لقد عاش علماء فطاحل كثر في العصر الصفوي منهم العلامة الجليل الشيخ عبد الله البهابادي اليزدي الذي قدّم خدمات عظيمة ولعب دورًا علميًا واجتماعيًا وسياسيًا مهمًا. نتناول في هذه الورقة ظروف الدولة الصفوية ومؤشراتها الإيجابية والوقوف عند النظرة الخاصة لسماحة قائد الثورة الإسلامية للملا عبد الله البهابادي. أملًا في دحض النظرة السلبية الخاطئة تجاه الدولة الصفوية إلى الأبد.
الكلمات المفتاحية: قائد الثورة الإسلامية، الملا عبد الله الیزدي، الحضارة٬ الدولة الصفوية.
مقدمة
«مفاخر إيران بعد الإسلام لا تقارن بأيّ عصر من تاريخ إيران .. فقد تعاظم التطور على الصُعد العلمية والفنية والثقافية وحتى العسكرية في إيران ما بعد الإسلام وبخاصة في عصور الديالمة والسلاجقة والصفوية بشكل لا يمكن مقارنته بأيّ وجه مع إيران ما قبل الإسلام ... إن أردتم دعم ومساندة إيران والانتماء الإيراني فإنّ تاريخ إيران بعد الإسلام أكثر توثيقًا ووضوحًا.»[1]
يعدّ الملا عبد الله البهابادي وأسرته من مفاخر إيران والإسلام٬ وإذا أردنا أن ندافع عن إيران والانتماء الإيراني يجب أن نسلّط الضوء على مثل هذه الشخصيات ونقتدي بها. وصرّح سماحة قائد الثورة الإسلامية في سياق التعريف بشخصية الملا عبد الله وأسرته وتكريمهم: «لقد أنجبت هذه المنطقة الصحراوية شخصيات فذة برعت في العلوم الإسلامية والتفسير والرياضيات والفقه والحديث. قالوا عن مدينة یزد أنّها «دار العبادة»؛ وليس جزافًا إذا نحن أطلقنا على هذه المدينة لقب «دار العلم» ولما كان في قولنا أيّ مبالغة ... مثلاً٬ تصوّروا أنّ الملا عبد الله صاحب الحاشية هو أستاذ الشيخ البهائي وصاحب المدارك٬ إنّها مسألة جدّ عظيمة. أنتم تعلمون أنّ صاحب المدارک يعدّ من أبرز فقهائنا المتأخرين. والملا عبد الله هو أستاذه في العلوم العقلية٬ وخطرت ببالي الآن هذه الفكرة وهي أنّ هذا العالم الديني كان في قلب النشاطات السياسية بخلاف ما قد يتصوّر البعض اليوم هنا وهناك. كان معاصرًا للشاه عباس الصفوي الذي ذهب لزيارة العتبات المقدسة في النجف الأشرف بالعراق فرأى أوضاع المدينة ليست على ما يرام فاختار الملا عبد الله ليكون سادنًا للحضرة المقدسة لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام). ومن كان يتبوّأ منصب السدانة وخزانة الحضرة العلوية المقدسة في ذلك العصر كان بمثابة حاكم النجف الأشرف. والملفت أنّ هذا المنصب بقي حصرًا في الملا عبد الله البهادبادي وذريته من بعده لسنوات طويلة».[2]
تشويه صورة العصر الصفوي
أصل هذا التشويه لصورة العصر الصفوي هو المرحوم محمد خان القزويني الباحث المعاصر الشهير (م 1328ش). ثم تابع هذا المسار الباحث الإيراني سبهر مؤرّخ الدولة والمستشرق الشهير إداورد براون مؤلف كتاب تاريخ الأدب الإيراني٬ اللذان لم يدّخرا جهدًا للحطّ من شأن العصر الصفوي وتشويه صورته في أعين الأجيال بالقول أنّه على مدى قرنين من الزمان٬ فترة حكم الصفويين٬ ليس فقط لم تتقدّم العلوم والآداب والثقافة والفن فحسب بل شهدت انحسارًا وأفولًا شديدًا٬ وانتشر التخلّف والانحطاط في البلاد. وانضمّ إلى جماعة المنتقدين الشاعر الإيراني الشهير محمد تقي بهار الذي وإن غبط بعض عظماء العصر الصفوي في كتابه «سبك شناسي» لكنّه في المحصلة كان ممّن حملوا على ذلك العصر وأشاعوا ثقافة ذمّ الصفويين. وانضمّ إلى جماعة المنتقدين كل من عباس إقبال آشتیانی٬ و منصور رستگار فسایی، وجلال آل احمد، والدکتور علي شریعتي، والدکتور صفا٬ والدكتور سعید نفیسی٬ وقد استندوا في إصدار هذا الحكم إلى أدلة واهية مكرّرين المزاعم النمطية لمحمد القزويني وآرائه المغلوطة النابعة من ميوله الحادة لتقوية الأسلوب الخراساني والعراقي في الأدب والشعر.
لذا٬ فحملة التشويه للعصر الصفوي بدأت من الأدب والشعر٬ ثم انتقلت عدواها إلى سائر العلوم والفنون. ففي كتابه «تاريخ نظم و نثر در ايران» يوجّه سعید نفیسي نقدًا لاذعًا لمنظومة النثر في العصر الصفوي.[3] وفي نفس السياق يحمل الدکتور رستگار بلا رحمة على ذلك العصر فيقول: العصر الصفوي عصر الانحطاط الفكري والعقلي والأدبي.[4]
بدوره انتقد الدکتور ذبیح الله صفا عشرات المرات أوضاع العلوم والآداب في العصر الصفوي واصفًا إيّاه بعصر انحطاط الأدب الفارسي وتراجع العلوم والمعارف.[5] أحد العوامل وراء هذه الحملات على العصر الصفوي هو الهجرة الواسعة للشعراء الإيرانيين إلى بلاد الهند٬ بل إنّ بعضهم عزا ذلك إلى البخل الذاتي لملوك الصفوية،[6] لكنّ الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى محاسن ومساوئ ذلك العصر سواءً بسواء. فالحكم المسبق بانحطاط العلم والفن والأدب لن يؤدّي إلى نتيجة٬ فمثلاً يجب أن نبحث عن الأسباب وراء امتناع ملوك الصفوية عن تقديم الصلات للشعراء؟ مع العلم أنّهم اشتهروا بالكرم والبذل٬ لكنّهم كانوا ينظرون إلى شعراء عصرهم والعصور السابقة[7] من زاوية الدين٬ كما كانت نظرة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الشعراء نظرة دينية. وعليه٬ فهذه السياسة لملوك الصفوية كانت٬ أولًا٬ مبنية على رؤية عقدية كونية٬ ثانيًا٬ ومن زاوية اجتماعية٬ تندرج في إطار سعيهم لمحو الخصلة الرذيلة والمنافقة لبعض الشعراء والمتمثلة في مدح الظلمة. وهو سعي مشكور في مجال الشعر٬ وكانت خطوة على طريق أجل اجتثاث هذه الصفة المذمومة من المجتمع. وقد نُقل عن الشاه طهماسب الصفوي قوله: لا أقبل أن يطلق الشعراء قرائحهم في مدحي والثناء عليّ.[8]
وقد منعت هذه السياسة الشعراء٬ على الأقل ظاهريًا٬ من الانحطاط الذاتي ورفع الممدوح إلى مرتبة الألوهية٬ ولم تسمح لهم أن يضعوا أنبل الخصال الإنسانية٬ أعني عزّة نفسهم وكرامتهم٬ في سوق المزايدات الرخيصة٬ وإنشاء قصائد المديح فقط من أجل تقبيل عتبة قصور الأمراء الفاسدين على حساب العقيدة والفكر.[9]
بالنسبة لعدم دلالة أشعار الشعراء في ذلك العصر٬ فإنّه اتهام باطل٬ على الأغلب٬ وهو أمر واضح ومفهوم لمن هو ملمّ بالشعر ومطلع على الأسلوب الهندي في الشعر.[10] ولكن هل أنّ إبداع أسلوب أدبي جديد كان من متطلبات ذلك العصر٬ ذاك ما يجيبنا عنه الباحث المرحوم أمير فيروزكوهي في تحليل شيّق وجدّ رائع.[11] ثمّة ملاحظة تتعلّق بالنثر جديرة بالذكر وهي أنّ الأسلوب الرديء للنثر في ذلك العصر إنّما كان امتدادًا للعصر التيموري الذي سبقه٬[12] لذا٬ فإذا كان من نقد يوجّه إليه٬ فمن باب أولى أن يوجّه إلى العصر التيموري.
أمّا في حقل العلوم والمعارف ووفرة مشاهير العلماء الإيرانيين وغير الإيرانيين الذين أنجبتهم حضارة الدولة الصفوية فيكفي أن نلقي نظرة سريعة على طبقات أعلام الشيعة والذريعة للشيخ آغا بزرك الطهراني وكذلك رياض العلماء للشيخ أفندي لنتأكّد من خطل وبطلان هذا الزعم الذي يطرحه المنتقدون للعصر الصفوي. كما لا ينبغي المرور مرّ الكرام على النهضة العارمة التي حدثت في مجال التدوين والتأليف باللغة الفارسية في ذلك العصر والتي كان لها تأثير كبير في تغيير العادات والأعراف الخاطئة للإيرانيين.[13]
لذا٬ بغض النظر عن العوامل التي تسبّبت في انهيار الدولة الصفوية وزوالها،[14] وعن الصفات السيئة لرجالها٬ فإنّنا من خلال نظرة إجمالية لهذه الدولة سنكتشف أنّها كانت تنطوي على مثالب أقلّ قياسًا بالحكومات السابقة لها٬ وفي المقابل كانت لها مساهمات مشهودة في تطوير ونشر العلم والثقافة والدين والفن والآداب وغيرها. ناهيك عن أنّ مشاهير العلماء الإيرانيين قد برزوا في ظلّ هذه الدولة العتيدة على رأسهم العلامة البهابادي الذي يعدّ من أبرز الرموز الشيعية الخالدة٬ ويشكّل دليلًا دامغًا على بطلان مقولة أفول العلم والأدب في العصر الصفوي. لذا٬ ومتابعةً لهذا البحث سوف ننقل آراء سماحة قائد الثورة الإسلامية في الدولة الصفوية ليتبيّن لنا أنّ العصر الصفوي٬ بشكل عام٬ هو عصر الملا عبد الله والشیخ البهائي وصدر الدين الشيرازي والمحقق الکرکي والعلامة المجلسي٬ وكان من أكثر العصور تألقًا وازدهارًا في تاريخ الحضارة الإسلامية.
الصفويون وتطور العلوم والآداب
«يقول فريق المستنيرين أنّ رجل الدين والكاتب والأديب والمعلم كانوا في صفّ مؤسسات الدولة – مثلًا كان ميرداماد يحضر مجالس الشاه عباس – وكان ذلك من أسباب انحطاط الثقافة والأدب والفلسفة والفن في ذلك العصر! هذا اعتقاد خاطئ. لم تشهد الآداب ازدهارًا كما شهدته في عصر الصفوية. لم يكن المرحوم جلال آل أحمد شاعرًا ولذلك لم يكن رأيه٬ بحسب اعتقادي٬ رأي خبير ملمّ بالحالة الشعرية. لقد ألقى الشعراء المخالفون للأسلوب الهندي آراء خاطئة في أذهان الناس وعلى ألسنتهم.
شاع الأسلوب الشعري الهندي في العصر الصفوي واستمرّ حتى العصر الزندي وأوائل العصر القاجاري؛ ثم جاء جماعة أخرى أطلق عليها اصطلاحًا «المجدّدون» والجمعية الأدبية بأصفهان٬ كانت هذه الجماعة تعارض الأسلوب الهندي بشدة. مع العلم أنّ أشعارها لم تكن تبلغ مستوى شعراء الأسلوب الهندي مطلقًا – كان البون شاسعًا بينهما- لكنّها كانت معارضة لهذا الأسلوب. منذ ذلك العهد بدأ الترويج لفكرة أنّ العصر الصفوي عصر انحطاط الشعر وسقوطه! صحيح أنّ شاعرًا كبيرًا مثل صائب لا ينتمي إلى العصر الصفوي.[15] إلّا أنّ شعراء على شاكلة كليم وعرفي وطالب آملي كانوا من أبناء ذلك العصر. شعراء قلّ نظيرهم في تاريخ الشعر٬ ظهروا في العصر الصفوي. يستعرض نصر آبادي في «تذکرة نصر آبادي»، تراجم حوالي ألف شاعر عاشوا في عصره في أصفهان.[16] تصوّر٬ مدينة بحجم أصفهان فيها ألف شاعر! طبعًا شعراء جيدون مجيدون٬ لا شعراء يلوكون الترّهات واللغو! ما تزال أشعارهم موجودة٬ وكتاب تذكرة نصر آبادي أيضًا موجود. أين ومتى شهدنا مثل هذه الطفرة في تاريخنا الأدبي؟
في حقل الفلسفة أيضًا٬ ظهر صدر الدين الشيرازي أعظم فيلسوف عرفه تاريخ الفلسفة الإسلامية وقد عاش في العصر الصفوي. وكذلك مجايله الفيلسوف الشهير میرداماد، كان من رموز ذلك العصر. وإذا ما استعرضنا أسماء المشاهير الذين ظهروا في عهد الدولة الصفوية فستطول القائمة٬ فهذا الفیض الکاشانی - العارف الشهير – وعبد الرزاق اللاهيجي المتكلم والفيلسوف الشهير. فمن أين لهم أنّ العصر الصفوي عصر انحطاط الشعر؟ كلا أبدًا لم يكن كذلك٬ بل كان عصر الازدهار وارتقاء الأدب والفن إلى القمة. طبعًا نعني بالأدب فرعه الشعري وليس النثري. النثر كان له نصيب من التطور ولكن ليس إلى حدّ القمة. كما تألّقت الأعمال الفنية وازدهرت في العصر الصفوي لا سيّما أعمال القاشاني والطُرُز المعمارية الرائعة. إنّك لن تعثر في مراحل التاريخ كافة٬ إلّا ما ندر٬ على تحف فنية معمارية تضاهي مسجد الشيخ لطف الله أو ساحة نقش جهان بأصفهان أو الأبنية والعمارات التي تفيض جمالًا وسحرًا وإبداعًا؛ كلّ هذه من إبداعات العصر الصفوي.
نعم٬ لم يكن الشعراء في العهد الصفوي يقفون على باب البلاط ليحصلوا على الصلات والجوائز٬ لستُ هنا بصدد الدفاع عن الصفويين. إنّنا لسنا على وفاق مع جميع الملوك٬ فالملك شرير في جوهره٬ لا يمكن للملك أن يكون طيبًا٬ الملكية أمر سيء٬ الملكية تعني المالكية٬ من ينعت نفسه ملكًا إنّما يدّعي لنفسه حق المالكية لشعبه بل٬ قل إن شئت٬ رعاياه. الملكية والسلطنة مرفوضة في الإسلام .. وهذا ينطبق على ملوك الصفوية فقد كانوا ملوكًا أيضًا ولا يجوز لنا الدفاع عنهم٬ ولكن إذا نظرنا من زاوية تاريخية٬ فإنّ الرأي القائل بأنّ العصر الصفوي عصر انحطاط الأدب والشعر٬ رأي خاطئ وغير صحيح على الإطلاق. إنّني ألاحظ أنّ هذا الرأي وعلى غرار ما كان في السابق٬ ما زال يتردّد صداه هنا وهناك٬ وفي الإذاعة والتلفزيون. أبدًا ليس الأمر كذلك٬ لم يكن العصر الصفوي عصر انحطاط. لم يأت بعد حافظ الشيرازي شاعر بعظمة صائب تبريزي. ولم يأت بعد رودكي شاعر أنشد أشعارًا بحجم ما أنشده صائب٬ حيث يقدّر عدد الأبيات التي أنشدها 200 ألف بيت شعر. طبعًا أقصد الشعراء المجيدون الذين يمكن أن نتباهى بشعرهم وندافع عنهم، أمّا أشباه الشعراء الذين لا تسمع منهم سوى لغوًا وثرثرة فهم كثر. لم تتوفر مدينة مثل أصفهان على هذا القدر من الشعراء والفنانين والفضلاء والفلاسفة والفقهاء. فمن أين لهم هذا الكلام؟»[17]
انتشار الحوزات العلمية في العهد الصفوي
تنقل المصادر التاريخية أنّ الملوك الصفويين قد أنشأوا مدرستين علميتين للملا عبد الله اليزدي في النجف الأشرف. وكذلك فعلوا لبقية علماء الدين في سائر المدن. وهذه مزية أخرى تحسب لهم ضمن الخدمات التي قدّموها خلال عهدهم: «على الرغم من مساعي البعض ]مثل الدكتور شريعتي[ في تشويه صورة الملوك الصفويين وإظهارهم بمظهر المعادين للشيعة والإسلام والقيم الدينية٬ وعلى الرغم من مثالب السلاطين الصفويين على صعيد الحكم والخصال الشخصية٬ إلّا أنّهم مع ذلك قدّموا خدمات عظيمة وخالدة لإيران والإسلام منها على سبيل المثال نشر الحوزات العلمية الشيعية في البلاد٬ وكان لهم الفضل في ازدهار الحوزات العلمية في أصفهان وخراسان وقم والنجف الأشرف وسائر المناطق الأخرى٬ ولو أنّنا تحرّينا هذا الموضوع سوف نجد أنّهم تركوا لنا مفاخر عظيمة وتراثًا قيّمًا في هذا المجال. فلو ألقينا نظرة على فقهاء الشيعة قبل العصر الصفوي لوجدنا عدد الإيرانيين بين هؤلاء الفقهاء لا يتجاز عدد أصابع اليد٬ ولكن بعد عصر الصفوية فإنّ 90 في المئة تقريبًا من الفقهاء هم من الإيرانيين».[18]
نقد على استبداد الحكومة الصفوية
«رجل واحد على رأس هرم السلطة والجميع يدينون له بالولاء والطاعة. وهذه المنظومة تدير دفة البلاد وترسم مصيره٬ ولا دور لآحاد الشعب في هذه الإدارة٬ فالبلاد ملك لهذه المنظومة الحاكمة».[19] «إذا كان السياسي لا ينظر إلّا إلى مصالحه٬ وتنمية ثرواته٬ وإشباع غرائزه وشهواته ولا يهتم لمشاكل الشعب ومعاناته لئلا يؤثّر ذلك على رفاهيته وترفه٬ فهذه البلاد ستتجه نحو الدمار والخراب لا محالة؛ والدليل على ذلك سقوط السلالات الملكية المتعاقبة الواحدة تلو الأخرى. كانت الدولة الصفوية على قدر كبير من الاقتدار والقوة٬ وهو ما حملها إلى تسلم زمام الحكم؛ ولكن بعد نفوذ الضعف إلى مفاصلها وغلبة الخصوصيات السيئة التي ذكرنا عليها آل مصيرها إلى الذي تعرفون٬ والعهد القاجاري كان أسوأ عاقبة٬ والعهد البهلوي أسوأ من الجميع».[20]
«ملوك الصفوية مدعاة للفخر والمباهاة – تعلمون أنّنا نكنّ لهؤلاء الملوك احترامًا ووزنًا٬ لأنّهم كانوا أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وحماة استقلال إيران وسيادتها الوطنية – ولكن مع ذلك فقد قرأنا في التاريخ عن الشاه عباس الصفوي أشهر ملوك الصفوية وعن الظلم الذي جرى على يديه والاستبداد الذي مارسه. لقد قتل عددًا كبيرًا من أقاربه وسمل أعينهم٬ حتى اضطر بعض الأشخاص إلى إخفاء عدد من الأمراء الصفويين عن أعين الشاه! على سبيل المثال٬ أمر بقطع رؤوس أربعة من أبناء امام قلي خان ووضع هذه الرؤوس أمامه٬ مع العلم أنّ قلي خان هذا كان من الرجال الذين خدموا الدولة الصفوية خدمات عظيمة؛ كان من الخدم القدماء للصفوية وأحد القوّاد والساسة في الدولة الصفوية؛ ولكن بسبب طغيان الشاه عباس واستبداده ارتكب هذه الفظائع. لذلك٬ فالظلم والجور ليس حكرًا على محمد ر ضا ورضا خان فقط٬ بل إنّ الظلم خصلة متأصلة في عقيدة الملكية٬ الظلم الناجم عن الاستبداد والسلطة المطلقة المنفلتة من أيّ مسؤولية أو التزام إزاء الله أو الشعب. وهو ما دعا إلى قيام النظام الإسلامي في مقابل أيديولوجية الملكية الاستبدادية».[21]
كثرة العلماء الإيرانيين
«بعد المحقق الأردبيلي كان مشاهير العلماء والفقهاء الشيعة٬ بشكل عام٬ إيرانيين٬ والنصيب الأكبر من هذا الشرف يحظى به عصر ملوك الصفوية٬ لذا٬ وعلى العكس من الذين يشوّهون سمعة الصفويين في أعين الناس ويصغّرون من شأنهم، فإنّني أؤكّد على أنّ هذه السلالة لها الفضل الأكبر على العلم والفقه والكلام الشيعي؛ فملوكها كانوا الرواد في فتح هذا الطريق والأخذ بيد العلماء على طريق العلم والإبداع ... فالمرحوم المقدس الأردبيلي جعل من النجف الأشرف متكئًا له وقاعدة علمية رصينة وهذه إحدى الخصوصيات التي ميّزته؛ وما تزال هذه المدينة هي الحاضرة العلمية الأهم٬ وفي عصر الشيخ الأنصاري بلغت ذروة التألق والازدهار. لقد قدّم المرحوم المقدس الأردبیلي فقهًا عميقًا ودقيقًا وعلى درجة تامة من العلمية والتحقيق٬ وهو ما جعل منه شخصية عظيمة وبارزة».[22]
تشجيع الصفويين على طلب العلم
«في القرون الثلاثة الأخيرة تخلّفنا٬ للأسف٬ عن ركب العلم والحضارة كثيرًا٬ فكانت الخطيئة الكبرى التي ارتكبها الحكام طوال هذه القرون الأخيرة الماضية أنّهم دفنوا المواهب الخلاقة. ولدينا أمثلة كثيرة على هذا النهج. طبعًا كانت الأمور على صعيد العلم والمعرفة على ما يرام حتى أواخر العهد الصفوي وربما بعده بقليل أيضًا حيث توجد بعض الأمثلة التي تشير إلى ظهور علماء كبار في تلك الفترة؛ ولكن بعد ذلك بدأت مسيرة الانحطاط العلمي بشكل تدريجي. ويمكن أن نسرد أمثلة كثيرة على ذلك ونأتي عليها الواحدة تلو الأخرى وفي مختلف الميادين والمجالات٬ ومنها مجال العمران».[23]
وجوب تكريم عظماء إيران ومنهم عظماء العصر الصفوي
«السنّة الحسنة المتمثلة في تكريم الشخصيات العلمية البارزة في تاريخ الشيعة هي من أفضل السنن وأكثرها نفعًا وبركة. في الحقيقة٬ لقد برزت في مراحل معينة من التاريخ الزاهر للثقافة والعلوم الإسلامية رجال عظام ومؤثرين لا يعرف جيلنا العلمي والثقافي الراهن عنهم شيئًا٬ ولذلك فهو محروم من الانتفاع بآثارهم العلمية وأفكارهم الرصينة. في عصور التألّق العلمي للحوزات العلمية سواء في النجف الأشرف وكربلاء أو في أصفهان وبعض المدن الأخرى في العهد الصفوي برزت مجموعة من عظماء الفقهاء والعلماء والفلاسفة والمتكلمين٬ وكل منهم شكّل قدوة عظيمة ومفيدة يمكن أن تقتدي بها محافلنا العلمية في الوقت الحاضر ولا سيّما الباحثون وطلاب العلم في الحوزات العلمية. والخصوصية المميّزة لهؤلاء العلماء المغمورون كانت في الغالب٬ جامعيتهم وشموليتهم المدهشة في مختلف العلوم مثل الفقه والفلسفة والتفسير والعلوم الرياضية والشعر والأدب. هذا التنوّع في العلوم الذي يشي بالآفاق العلمية الرحبة في الحوزات العلمية يعكس العقل المبدع والخلاق والفكر الثاقب والموهبة العظيمة لأولئك العظماء».[24]
تعاظم العزّة الإيرانية في العهد الصفوي
«بعد العهد السلجوقي وقبل وصول الملوك الصفويين إلى الحكم كان كل قسم في إيران ينحى منحى مغايرًا عن الآخر٬ وكانت عزّة إيران وعظمتها في تلك الفترة في مهب الريح٬ حتى بزغت شمس الدولة الصفوية من أردبيل واستطاع الأحفاد العرفاء المجاهدين والمناضلين للشيخ صفي الدين الأردبيلي توحيد البلاد واستعادة مجدها وعظمتها، فقدّم أبناء هذه الأسرة صورة مشرّفة عن الأمة الإيرانية للعالم في تلك الفترة٬ أمّة متحدة مقتدرة مرهوبة الجانب ومتطورة.
تمّ تشويه صورة الأسرة الصفوية في عهد الحكومة القاجارية والحكومة البهلوية٬ ولأسباب معينة تعرّضت مدينة أردبيل للإهمال والنسيان. وبالمقدار الذي كان الملوك الصفويون يهتمّون بأردبيل٬ بنفس المقدار أهمل الحكام في العهد القاجاري ومن بعدهم العهد البهلوي هذه المدينة البعيدة والحدودية. لذلك نجد هذه المدينة الخضراء الخصبة والزاخرة بالمواهب الخلاقة والخيرات الزراعية والقدرات الصناعية والتي تحظى بإمكانات واسعة للتبادل التجاري مع الخارج٬ نجدها اليوم واحدة من المناطق المحرومة والفقيرة٬ لماذا؟ لأنّ بعض الحكام بعد العهدالصفوي أراد أن ينتقم من هذه المدينة ومن شعبها وقبائل القزلباشي في تلك الأيام كانت صدورهم موغرة ضدّ هذه المنطقة وبالخصوص ضدّ أردبيل».[25]
الصفويون وإزالة مناخ الرعب
«مشاهير العلماء الذين عاشوا قبل العهد الصفوي – مثل الشهيدين والمحقق الكركي وغيرهم- عانوا من الظلم والاستبداد. لقد استطاعوا أن يحافظوا على أنفسهم٬ أعني أن يجدوا موقعهم الحقيقي. أين كان موقعهم الحقيقي؟ إلى جانب الشعب الشيعي المضطهد. كانا بمقدورهم أن ينفصلوا عن الشعب ويعيشوا عيشة مريحة دون معاناة٬ لكنّهم لم يفعلوا ذلك أبدًا٬ وظلوا إلى جانب الشعب حتى وقع التحول الكبير بمجيء الدولة الصفوية فتحرّر العلماء وكسروا الأغلال والقيود التي كانت تكبلهم فانتقلوا إلى فضاء أرحب».[26]
العلماء وعدم التفريط باستقلال الحوزات
«في الوقت الذي كانت الدولة الصفوية تبسط سلطانها على أرجاء إيران وكان علماء أفذاذ مثل المحقق الكركي ووالد الشيخ البهائي ومشاهير آخرون كثر يتوافدون على إيران ويشغلون مناصب دينية رفيعة لم يخضع هؤلاء العلماء ولا تلاميذهم للسياسة الصفوية٬ أو يتخلّوا عن استقلالية قرارهم٬ نعم٬ كانوا يقدّمون الدعم والإسناد للدولة الصفوية ويتعاونون معها ويمتدحونها ويعظّمون شأنها٬ لكنّها لم يسمحوا لأنفسهم أن يكونوا تابعين لها أو في قبضتها أو طوع أمرها. واستمرّ هذا الوضع على هذا المنوال حتى شطر من عمر الدولة القاجارية».[27]
نتيجة البحث
يتّضح من المباحث المتقدمة أعلاه أنّ ثمّة زعم كان متداولًا في أوساط المثقفين والمتنورين يقول بأنّ العلاقة بين الدولة الصفوية وأوضاع العلم والفن والأدب في ذلك العصر لم تكن على أفضل وجه٬ بل إنّ هذه العلوم والمعارف شهدت انحطاطًا وأفولًا في عهد هذه الدولة٬ ولم يظهر خلال تلك الفترة أيّ عالم كبير، ولكن في مقابل هذا الزعم وبالاستناد إلى النصوص التاريخية والتراث الذي وصلنا من تلك الحقبة بمقدورنا أن نفنّد هذا الزعم ونجزم بخطأه٬ ونذكّر بظهور علماء كبار في ذلك العصر من أمثال الملا عبد الله البهابادي وأساتذته مثل المحقق الثاني وتلاميذه كالشيخ البهائي. كما يتسنى الرجوع إلى الآراء الإيجابية والمنصفة التي صرّح بها سماحة قائد الثورةالإسلامية حول العصر الصفوي لتفتح الطريق إمام إنجاز دراسات جديدة في إطار تسليط الضوء على مفاخر إيران الإسلامية في العصر الصفوي.
[1]. لقاء سماحة القائد برئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة؛ 6-6-1390ش.
[2]. http://www.molaabdellah.ir/ -
[3]. سعید نفیسی، تاریخ نظم و نثر در ایران، ج 1، صص 354 و 408، طهران، فروغی، 1363.
[4]. منصور رستگار فسایی، انواع نثر فارسی، ص 507. طهران، سمت، 1380.
[5]. على سبيل المثال أنظر: ذبیح الله صفا، تاریخ ادبیات در ایران، صص 232 و 422 و 415. طهران، فردوس، ط. 11، 1382.
[6]. نادر وزینپور، مدح داغ ننگ بر تارک شعر فارسی، ص 477، طهران، معین، 1374.
[7]. مثلا تذکره شاه طهماسب، صص 61 و 61، طهران، مشرق، ط. 2، 1363.
[8]. عالم آرای عباسی، ص 178.
[9]. مایوانی گیلانی، تاریخ ادبیات ایران، ج 3، ص 18، قم، مولف، 1377.
[10]. منتخب أشعار الأسلوب الهندي، علی رضا ذکاوتی، ص 5، طهران، مرکز، 1372.
[11]. مقدمه دیوان عرفی شیرازی، ص 34 إلى 37. طهران، سنایی، ط. 3، 1369.
[12]. مدح داغ ننگ، ص 477.
[13]. صفویه در عرصه دین و فرهنگ و سیاست، رسول جعفریان، ج 3، ص 1097 إلى 1140.قم، معهد دراسات الحوزة والجامعة، 1379.
[14]. أنظر: نشوء و سقوط الدوله الصفویه، إعداد: کمال السید، ص 286 إلى 298، قم، باقیات، ط. 2، 1428هـ و چالش سیاست دینی و نظام سلطانی، نجف لک زایی، ص 125 إلى 138. قم، أكاديمية العلوم والثقافة الإسلامية، ط. 2، 1386.
[15]. قصص الخاقانی، ولی قلی بیگ شاملو، ج 2، ص 62، طهران، ارشاد، 1374.
[16]. يذكر نصرآبادی أصناف متعددة من الشعراء. تذکره نصرآبادی، ج 1، صص 7 و8. مطبعة اساطیر، طهران، 1378.
[17]. حديث سماحة القائد مع جمع من طلاب جامعة طهران؛ 22-2-1377.
[18]. حديث سماحة القائد مع جمع من النخب الحوزوية؛13-9-1374.
[19]. حديث سماحة القائد مع جمع من مسؤولي النظام؛ 31-6-1386.
[20]. حديث سماحة القائد خلال لقائه جمع من النخب العلمية؛ 13-7-1390 ٬ و حدیث ولایت، ج 8، ص 209، طهران، منظمة الإعلام الإسلامي، 1377.
[21]. حديث سماحة القائد خلال لقائه مع الشباب في محافظة أصفهان12-8- 1380ش.
[22]. حديث سماحة القائد خلال لقائه أعضاء المجلس الأعلى لمؤتمر تكريم العلامة المقدس الأردبيلي؛ 30-3- 1375ش.
[23]. حديث سماحة القائد خلال لقائه النخب العلمية19-7- 1378ش.
[24]. رسالة إلى مؤتمر تكريم الباحثين: آغا حسین، آغا جمال٬ آغا رضی خونساری؛ 29-6- 1378ش.
[25]. خطاب سماحة القائد في حشد من الناس بمحافظة أردبيل؛ 3-5-1379ش.
[26]. حديث سماحة القائد خلال لقائه مجموعة من رجال الدين بمحافظة كرمان٬ 20-8- 1370ش.
[27]. حديث سماحة القائد خلال لقائه بالطلبة والأفاضل في الحوزة العلمية بقم٬ 29- 7- 1389ش.