علی عباسپور*
ترجمة: حسين صافي
ملخص
لعلم التفسير مكانة فريدة ليست لأيٍّ من العلوم الإسلامية٬ والإحاطة بمفاهيم القرآن تطلّبت ظهور علوم أولية مثل علم الصرف والنحو والقراءة والبلاغة (المعاني والبيان والبديع) لتهيئة مقدمات فهم ظاهر القرآن٬ فالشيعة تعتقد أنّ للقرآن معانٍ ظاهرة وباطنة. المعاني الظاهرية للقرآن تستخرج من خلال البحث في الآيات الأخرى ودراسة قواعد الصرف والنحو والبلاغة٬ أمّا المعاني الباطنة فلا مجال للوصول إلِيها إلّا عبر الانتهال من نمير العلوم الصافي للأئمة المعصومين (عليهم السلام). منذ نزول أولى شآبيب الوحي الإلهي دُوّنت تفاسير عديدة ذات مشارب واتجاهات متنوعة روائية وعقلية وأدبية وعرفانية وغيرها من أجل توضيح الأبعاد اللامتناهية للقرآن الكريم. من بين التفاسير الأدبية التي ظهرت في القرن العاشر الهجري تفسیر درة المعاني في تفسیر سورة الحمد والإخلاص للعلامة الملا عبد الله البهابادي اليزدي. يتناول المؤلف النحرير في التفسیر المذکور مباحث من قبيل التركيز على جذور الألفاظ٬ وقاعدة التخصيص وقاعدة الالتفاف لغرض تبيين المفاهيم التي تنطوي عليها سورتي الحمد والإخلاص المباركتين. جدير بالذكر أنّ الصبغة الأدبية هي الغالبة على تفسير سورة الحمد المباركة بينما يتميّز تفسير سورة الإخلاص بصبغة عقلية.
في هذه الورقة٬ يحاول الكاتب٬ على نحو إجمالي٬ بأسلوب تحليلي دراسة بعض القواعد المستخدمة في تفسير درة المعاني للمرحوم الملا عبد الله البهابادي ودور العلوم الثلاثة الصرف والنحو والبلاغة كتجليات أدبية وبلاغية في التفسير المذكور.
الكلمات المفتاحية: التفسیر، درة المعاني، الألفاظ٬ النحو، الصرف، البلاغة.
مقدمة
1. مكانة القرآن الكريم عند العلماء والمسلمين
القرآن کتاب سماوي نزل لهداية البشرية وترسيم طريق التكامل. وهو في حدّ ذاته معجزة عجز الآخرون عن الإتيان بمثله. يمكن دراسة إعجاز القرآن من زوايا عدّة إحداها الإعجاز الأدبي والبياني. نظم إيقاع القرآن في ضوء بعض المحسنات البديعية مثل السجع ومراعاة الفواصل أكسبت هذا الكتاب السماوي تركيبة فريدة إعجازية. مع ذلك ينبغي أن لا تغيب عن بالنا هذ المسألة وهي أنّ إعجاز القرآن وتركيبته الخلاقة لا تقتصر على هذه الأمور فحسب٬ فسواء قلنا بوجود السجع والفواصل في القرآن أم لم نقل٬ يبقى نظم القرآن وإيقاعه وجماله وسحره قائمًا.
ما برح القرآن بوصفه حجر الزاوية في البنية الفكرية للمسلمين وأهم ينابيع الفكر والتعاليم الإسلامية٬ موضع عناية واهتمام المسلمين والعلماء٬ وأثمر اهتمامهم وجهودهم الحثيثة في فهم معاني القرآن إلى تدوين آلاف التفاسير لكتاب الوحي الإلهي وبمشارب واتجاهات مختلفة ومتنوعة ضمّتها مئات المجلدات. وتشي كثرة التفاسير المدوّنة باهتمام المسلمين الوافر بهذا الكتاب الخالد٬ هذه الصحيفة المقدسة التي ترسم مسيرة النهوض للبشرية نحو دار الخلد، كما كان لهذه الوفرة من التفاسير حصة كبيرة في دينامية المسلمين واعتلائهم وتكاملهم.
2. ريادة الشيعة في تفسير القرآن
كان علم تفسیر القرآن وما يزال من العلوم المباركة والمفيدة للغاية عند المسلمين. فقد مرّ منذ بدايات تأسيسه وحتى اليوم بتطورات عديدة. في القرون الأولى من نزول الوحي٬ على سبيل المثال٬ ظهر التفسير بشكل بسيط لا يتجاوز نطاق شرح الألفاظ بالاستناد إلى المأثور والأخبار٬ واستمرّت مسيرة التفسير بتؤدة فشهدت في مراحل لاحقة توسّعًا كبيرًا وتحوّلًا عميقًا حتى بلغت مرحلة الكمال وأصبحت حركة وعلمًا قائمًا بذاته في حقل الفكر والمعارف الإسلامية.
وعلى العكس من اتهامات الوهابية المعاصرة للشيعة بأنّ علم التفسير مهجور عندهم٬ كان الشيعة أول من خدم القرآن الخدمة الحقيقية. فالمصنّفات القرآنية لغير الشيعة كانت تصبّ في الغالب في خانة المباحث التمهيدية مثل الأدب والنحو والبلاغة والتجويد وعلم القراءات وتاريخ النزول ..إلخ٬ وبالنسبة للنظرة الروائية فإنّ جمهرة الأحاديث المختلقة والموضوعة والإسرائيليات كانت مدعاة لتفريغ ظاهر القرآن من أيّ قيمة للتمسك به٬ كما أنّ دخول الرؤية التأويلية بقوة على الخط والتي نلاحظها بوضوح في بعض تفاسير أهل السنّة مثل تفسير البيضاوي كل هذه الأسباب أدّت إلى إضعاف الدور الهدائي للقرآن،[1] لكنّ الشيعة وعلى الرغم من سابقتهم الطويلة وريادتهم للعلوم التمهيدية للقرآن مثل علم القراءة والتجويدو الإعجام والتشكيل والتدوين وفضل القرآن ومعاني القرآن وغريب القرآن والمجاز القرآني وأمثال القرآن وأحكام القرآن وغير ذلك٬ بل وكانوا المؤسّسين لهذه العلوم والفنون٬[2]إلّا أنّهم اضطلعوا بالمهمة الرئيسية في هذا المجال أعني الصيانة الحقيقية للمقاصد الإلهية من كلام الوحي٬ ولذلك تجد أنّ الآراء التفسيرية للشيعة أقل اختلافًا وأقرب إلى المنطق والمعقولية على العكس من تفاسير أهل السنّة التي تعجّ بالتناقضات والاختلافات.
3. مسيرة التفسير القرآني في العهد الصفوي
في العهود التي سبقت صعود الدولة الصفوية٬ لم يكن علم التفسير يحظ بالاهتمام الكافي وذلك لعوامل عدة منها ابتعاد علماء الشيعة عن مركز صنع القرار السياسي وعدم الشعور بالحاجة إلى كتب أحكام القرآن،[3] ولكن بعد استقرار الدولة الصفوية والاعتراف بالمذهب الشيعي كمذهب رسمي للبلاد ورغبة ملوك الصفوية في إدارة البلاد على أساس أحكام هذا المذهب الجديد٬ تضاعف الاهتمام بالتفسير بشكل غير مسبوق. وتبعًا لذلك٬ شهد علم التفسير في ذلك العهد عصرًا ذهبيًا٬ فتتابعت التصانيف العلمية الشيعية في مختلف الحقول والميادين ليتسارع تعجيل مسيرة التكامل والاعتلاء الشيعية.
وقد ظهرت في هذا العصر ثلاثة تيارات رئيسية في حقل التفاسير الشيعية اقتضتها التحولات السياسية والاجتماعية المستجدة. التيار الأول هو التيار الكلامي٬ وباعتقاد كاتب السطور أنّه على الرغم من تصنيف بعض تفاسير هذا العصر كتفسير صدر الشيرازي بالتفسير الفلسفي٬ إلّا أنّها كانت ذات نزعة كلامية فهي ليست فلسفية في جوهرها وإن بدت بطابع فلسفي. التيار الثاني٬ تيار حديثي وأخباري. في تلك الفترة خرج الشيخ المیرزا محمد أمین الاسترابادي بادعاء مفاده أنّه من أجل فهم الدين لا بدّ من الرجوع إلى الأخبار والروايات. بينما تمحور التيار الثالث حول الشريعة فتجلّت الأحكام الفقهية من خلال التفاسير.
سورة الحمد المبارکة
بالنسبة لمكانة سورة الحمد لا بدّ من القول: إنّها من أهم سور القرآن الكريم وتتمايز على باقي السور بخصوصية خاصة. فوجوب قراءتها في الصلوات اليومية وكذلك ما تنطوي عليه من معارف راقية أخلاقية واجتماعية وعرفانية شكّلت أسبابًا لفتح باب خاص لهذه السورة قليلة الآيات وكثيرة المضامين والمعاني في علم الفقه وعلم الأخلاق والعرفان الإسلامي. ودعت أهمية السورة وعظمتها مفسّري القرآن الكريم أيضًا لينظروا نظرة خاصة إليها٬ وإفراد كتب مستقلة في شرحها وتفسيرها بحيث يمكن القول أنّه أصبح لدينا تراث عظيم وغني يضمّ ببليوغرافيا ضخمة مخصّصة لتفسير سورة الحمد تشمل مئات الكتب في تفسير هذه السورة المباركة خُطّت بأقلام علماء مسلمين فطاحل من مختلف المشارب والانتماءات المذهبية (الشيعية الإثني عشرية٬ الشيعة الزيدية٬ المالكية٬ الشوافع٬ الحنابلة٬ الأحناف) وعبّر كل منهم عن وجهة نظر فكرية خاصة (عرفانية، فلسفیة، کلامیة، روائية) ضمن خارطة جغرافية مترامية الأطراف.
«بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِ»
لا خلاف بين علماء الشيعة على أنّ البسملة «بسم الله» جزء من سورة الحمد وجميع سور القرآن أيضًا. وكان ذکر «بسم اللّه» في مستهل السور معمولًا به منذ عصر النبي (ص) وحتى يومنا٬ وجرت على ذلك سيرة المسلمين على مرّ العصور٬ أي عند الشروع بتلاوة القرآن تُستهلّ القراءة بالبسملة، وقد ثبت بالتواتر أنّ النبي الأكرم (ص) كان يفعل ذلك٬ فأنّى له (ص) والمسلمون على إثره أن يقرأوا البسملة ويواظبوا عليها إن لم تكن جزءًا أصيلًا من القرآن.[4]
تفسير «اسم»
إذا كان المقصود من «اسم» في الآية الشريفة الألفاظ الدالة على الذات أو الذات التي تنطوي على الصفات٬ فالأقرب إلى الذهن هو أن تكون الباء في البسملة «بسم الله» متعلقة بابتداء «المصدر المضاف» أو ابتداء «الفعل المضارع» فيكون المعنى ابدأ بذكر اسم الله الرحمن الرحيم. أو أشرع بتنزيل هذه الآيات البينات باسم الله الرحمن الرحيم.
أمّا إذا كان المقصود من الاسم الموضوعات والحقائق التي بواسطتها يعرف الإنسان ربه جلّ وعلا مثل الرحمن والرحيم والعالم والقادر والرب والحيّ والمدرك وأمثالها فالأنسب هو أن تكون الباء متعلقة بتمام تنزيل السوة المباركة أو القرآن الكريم٬ أعني٬ أنزّل القرآن أو هذه السورة تحت عنوان رحمانية أو رحيمية الله تبارك وتعالى٬ لأنّ نزول جميع البركات وأهمها نعمة نزول الوحي والآيات البينات نابعة من صفة الرحمانية والرحيمية، ولا تتحقّق ولا تنوجد إلّا في ظل تجليات رحمة الحق، وأنّ العلم والقدرة والحكمة وأمثالها من الأسماء المقدسة التي تلي الرحمة في الرتبة٬ لها تأثير في تنزيل البركات أو كيفيته.
فضل البسملة «بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحیمِ»
قالَ الله عَزَّ و َجَلَّ... اِذا قالَ العَبدُ: «بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحیمِ» قالَ الله ـ جَلَّ جَلالُهُ ـ : بَدَاَ عَبدى بِاسمى، وَ حَقٌّ عَلَىَّ اَن اُتـَمِّمَ لَهُ اُمورَهُ و اُبارِکَ لَهُ فى اَحوالِهِ».[5]
وقال النبي الأكرم (ص): اَلْعَبد... إِنْ قالَ فى أوَّلِّ وُضوئِهِ بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِ طَهُرَت أعضاؤُهُ کُلُّها مِنَ الذُّنوبِ».[6]
وقال الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنِ اسْتَمَعَ إلى قارىءٍ یَقرَؤُها [بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِ] کانَ لَهُ بِقَدرِ ما لِلْقارِئ».[7]
«الحمد لله رب العالمین»
يشير المرحوم الملا عبد الله في تفسير الآیة الشریفة «الحمد لله رب العالمین» إلى مبحث اللام ويوضّح بأنّ كل نعمة تعود إلى لام الاختصاص ويقول بأنّ كل نعمة هي عطيّته٬ وعليه٬ فالحمد له وحده على كل نعمة، حتى مع وجود واسطة٬ لأنّ الحمد هو ذكر النعمة٬ وذكر النعمة يكون بذكر إحسان المنعم٬ وإلّا لم يكن ذكر لنعمته. لذا٬ فحمد النعم يختصّ بالله وحده٬ ومن هنا إلحاق لام الاختصاص باسم الجلالة «الله» لبيان هذا المعنى.
مفهوم الحمد، خليط من مفهوم المديح والشكر. يطلق الإنسان لسانه بالحمد إزاء الجمال والكمال ولسانه بالشكر إزاء نعم الآخرين وخدماتهم وإحسانهم. فالله تبارك وتعالى يستحق الحمد لكماله وجماله٬ ويستحق الشكر لإحسانه ونعمه.
«الرحمن الرحیم»
اشتهر بين جماعة المفسرين أنّ صفة «الرحمان» إشارة إلى الرحمة العامة لله٬ والتي تشمل الصديق والعدو٬ والمؤمن والكافر والمحسن والمسيء؛ لأنّنا نعلم أنّ «شآبيب رحمته اللامتناهية نزلت على الجميع، وخوان نعمه السابغة أقيمت في كل مكان.» كل العباد ينعمون بمختلف مواهب الحياة٬ وينالون رزقهم من خوان النعم الإلهية اللامتناهية٬ وهو ما يطلق عليها الرحمة العامة التي وسعت الوجود كله والجميع يسبح في بحر جوده.[8]
«الرحیم» إشارة إلى رحمة الله الخاصة٬ التي يخصّ بها عباده المطيعين الصالحين؛ لأنّهم بحكم إيمانهم وعملهم الصالح استحقّوا رحمته ومغفرته وإحسانه الخاص٬ وليس للمذنبين والمسيئين نصيب من هذه الرحمة الخاصة.
«مالک یوم الدین»
في تفسيره للآية الكريمة «مالک یوم الدین» يستعرض أولًا القراءات المختلفة ويشرح التركيب الخاص لكل قراءة. وللمثال يقول: من قرأ «مالك» بفتح اللام فقد عدّ الفعل ماضيًا ولذلك اعتبر «يوم» ظرف للفعل الماضي.[9]
«مَلِکِ یَوْمِ الدِّینِ»، من هو مالك ذلك اليوم؟ من هو المقرّر؟ «مالک» تعني المالكية وكذلك تعني الملكية أي الملك والسلطان وصاحب الأمر والمالك وصاحب القرار. من المهم جدًا أن يعرف المرء أنّه هو «الله» و«الرحمن» و«الرب». إنّنا نحتاجه ليس في هذه الدنيا فقط٬ بل إنّ مستقبلنا مربوط به أيضًا. إنّه مالك مستقبلنا وآخرتنا وصاحب أمرنا. عندما نغادر هذه الدنيا فلن يكون في العالم الآخر أرباب أو خالق آخر غيره. إذن٬ مستقبلنا أو آخرتنا أيضًا في قبضة يمينه.
ترجیح قراءة مالک
ترتبط كلمة «يوم» و«يومئذ» في أغلب المواضع التي وردتا في القرآن الكريم بعالم الآخرة (البرزخ والقيامة)٬ وقد جاءتا بصيغة الظرف٬ وليس المملوك٬ وهو تمهيد للاستئناس القرآني يمكن على أساسه أن نعدّ «مالک یوم الدین» في الآية الكريمة أيضًا ظرفًا وليس مملوكًا كأن نقول مثلًا: قاضي يوم الدين٬ شفيع يوم الدين؛ إذن الكلام هنا ليس عن كونه تعالى مالك يوم الدين٬ ويوم الدين مملوك لله٬ وإنّما المالكية المطلقة لله سبحانه سوف تظهر إزاء جميع الأشياء في ذلك الظرف الخاص٬ وهذا المعنى أكثر انسجامًا مع قراءة مالك.
وعلى هذا٬ فمعنى الآية الكريمة «مالك يوم الدين» أنّ الله تعالى في ذلك اليوم مالك الأشياء٬ ومالكيته في ذلك اليوم سوف تظهر للجميع٬ لا بمعنى أن الله تعالى مالك ذلك اليوم.
استنادًا إلى ترجيح قراءة مالك٬ يبيّن معنى «مالک یوم الدین» الوجه الإثباتي لتلك الحقيقة٬ حيث تُظهر الآية الكريمة الأخرى «یوم لا تملک نفس لنفس شیئا و الأمر یومئذ لله»[10] الوجه السلبي لها. وإن كانت المالكية المطلقة لله سبحانه على الأشياء لا تختصّ بعالم الآخرة وحده٬ ولكن نظرًا إلى أنّ هذه الحقيقة سوف تظهر للجميع عيانًا ويعترفون بها في ذلك اليوم، فإنّ «یوم الدین» يُطرح في الآيات الكريمة كظرف للمالكية الإلهية.
«إیاک نعبد وإیاک نستعین»
يناقش العلامة الملا عبد الله في تفسير الآية الشريفة «إیاک نعبد وإیاک نستعین» قاعدتين أدبيتين مهمتين. القاعدة الأولى «تقديم ما حقّه التأخير» والتي يُستنبط منها الحصر والاختصاص. مع التوضيح بأنّ تقديم المعمول على العامل أو٬ تقديم ما حقّه التأخير دليل على الحصر. طبعًا هذا الدليل يكون قائمًا عندما لا يكون التقديم لدواعي سجع الآيات وما شابه٬ على الرغم من أنّ التقديم أحيانًا يفيد الحصر٬ وفي نفس الوقت تتم مراعاة سجع الآيات.
يقول كل من الزمخشري والطبرسي والملا عبد الله البهابادي: في الآیة الكريمة «إیاک نعبد وإیاک نستعین» تمّ تقديم المفعول لغرض الاختصاص٬ فمعنى الآية: «نخصّك وحدك بالعبادة٬ ونخصّك وحدك بالاستعانة».[11]
وفي اختيار هذا السياق الخاص تكمن أسرار نشير إلى بعضها:
أ: فالموحد الذي يعتقد بأنّ الذات الإلهية المقدسة هي الجامعة والمنشأ لكل كمال وجمال٬ ويعتقد بربوبيته ومالكيته المطلقة٬ يرى الله تعالى أولًا وقبل كل شيء٬ ويقدّم «إياك» ليجعل العبادة حقّه الحصري.
ينزع الإنسان عن نفسه حجب الغفلة ولا يرى سوى الله٬ فيتحدّث عنه أولًا٬ ومن هنا جاءت كلمة شهيد في الآية الكريمة «أولم یکف بربّک أنّه على کل شيءٍ شهید»[12]بمعنى المشهود لا الشاهد٬ بمعنى أنّه عندما يلاحظ أيّ شيء يرى الله قبله٬ ثمّ يرى غيره الذي هو من آياته وتجلياته٬ وحيث أنّ الله تعالى مشهود غالب على كل الشهود٬ فقد جاءت كلمة شهيد مجرورة بحرف الجر «على».
ب: العابد الذي يرى المعبود ابتداًء ويعتقد أنّه الجمال المحض والكمال الخالص٬ لا يشعر بمشقة العبادة وصعوبتها. العبادة في البداية تنطوي على صعوبات ومشقة لسالكي طريق الحق٬ وعلى هذا الأساس كان الصبر على الطاعة من أتمّ الفضائل ورأس الإيمان: «فإنّ الصبر من الإیمان کالرأس من الجسد».[13]
في الآيات الأولى من سورة الحمد المباركة يكون الكلام بلغة الغائب٬ ثم يتحوّل في المقطع الأخير من السورة٬ الذي يبدأ مع الآية موضع النقاش٬ إلى لغة الخطاب الحضوري. يسمّى هذا التحوّل في السياق في العلوم الأدبية (علم البديع) الالتفات من الغائب إلى الحاضر٬ وهو لأغراض المحسنات البديعية وإضفاء جمالية على الكلام٬ وزمامه يكون بيد المتكلم حيث يسعى إلى تزويق الكلام وتنويعه فيفترض الشخص غائبًا تارةً وحاضرًا أخرى، بيد أنّ الالتفات من الغائب إلى الحاضر في الآية الكريمة ليس تفننًا أدبيًا فحسب ليكون زمام الكلام بيد المتكلم٬ فيختار بين أن يخاطب الله سبحانه وتعالى بلغة الغائب مرة٬ وبلغة الحاضر مرة أخرى؛ وإنّما زمام الكلام بيد المخاطب.
مع التوضيح بأنّ فهم الأسماء الحسنى والقبول بها كما ورد في بداية السورة هو لاستدعاء الإنسان الغائب للمثول بين يدي الله تعالى. عندما يثبت للمرء أنّ الله سبحانه جامع لكل الكمالات الوجودية؛ وأنّ «الله» الربوبية المطلقة على جميع عوالم الوجود الإمكاني؛ و«رب العالمين» رحمته المطلقة التي تظلّل كل شيء؛ و«الرحمن» الرحمة الخاصة للمؤمنين والسالكين؛ و«الرحيم» وأخيرًا مالكيته اللامتناهية سوف تظهر في يوم الدين؛ وهو «مالك يوم الدين» ولا موجود غيره يستحقّ الخضوع والخطاب٬ عندما يؤمن المرء بكل هذه المعارف٬ سوف يحضر من غيبته٬ ويجد نفسه ماثلًا بين الله سبحانه وتعالى٬ حينئذ فقط سوف يستحق المخاطبة. إذن٬ التحوّل يحصل في المتكلم من الغيبة إلى الحضور٬ لا في المخاطب الذي لم يغب أبدًا؛ بيد أنّ الذي لا يدرك الأسماء الحسنى أو لم يعتقد بها أصلًا لا يستحق المخاطبة٬ ولا المثول بين يدي الله تعالى٬ فهو لم يزل غائبًا٬ على الرغم من أنّ الله تعالى مشهود مطلق.
الجمع والجماعات في الإسلام
تشير صيغة الجمع في «نعبد» و «نستعین» والآيات التي تليها إلى أنّ أصل العبادة وخاصة الصلاة قائمة على مبدأ الجمع والجماعة، فحتى عندما يقوم العبد لربه متضرّعًا ومناجيًا٬ يجب عليه أن يجد نفسه بين الجماعة٬ ناهيك عن بقية الأعمال والشؤون الحياتية. وعلى هذا٬ فإنّ الفردانية أو الأحادية أو الانعزالية وما شابهها من المفاهيم مرفوضة من وجهة نظر القرآن الكريم والدين الإسلامي الحنيف. على الأخص الصلاة بدءًا بالأذان والإقامة التي تنادي إلى الاجتماع للصلاة (حي على الصلاة) مرورًا بسورة الحمد التي نبدأ بها صلاتنا٬ وانتهاء بالسلام والتشهد (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) كلها تدلّ على أنّ هذه العبادة تنطوي على بعد اجتماعي؛ بمعنى٬ يجب أداؤها جماعةً٬ نعم٬ الصلاة فرادى صحيحة ومقبولة في الإسلام٬ إلّا أنّ العبادة الفردية ذات بعد فرعي وتأتي بالدرجة الثانية.
«صراط الذین أنعمت علیهم غیر المغضوب علیهم ولا الضالین»
في تفسيره الآیة الشریفة «صراط الذین أنعمت علیهم غیر المغضوب علیهم ولا الضالین» يستهلّ التفسير ببحث حول القراءات[14]٬ ويواصل مع مبحث النحو والصرف ويقول: «عَلَیْهِمْ» جار و مجرور متعلقان بأنعمت.[15] «غَیْرِ» صفة الذین.[16] «الْمَغْضُوبِ» مضاف إلیه. «عَلَیْهِمْ» متعلقان بالمغضوب. «وَ لَا» الواو عاطفة، لا زائدة لتأکید معنى النفی فی غیر.[17] «الضَّالِّینَ» معطوف على المغضوب علیهم مجرور بالیاء لأنه جمع مذکر سالم.[18]
سورة الإخلاص المباركة
في تفسير سورة الإخلاص المباركة يستعرض المرحوم الملا عبد الله عددًا من الروايات في شأن نزول السورة وفضلها فيقول أنّ من جملة ما ورد في فضل سورة الإخلاص «أنّها تعدل ثلث القرآن»٬ فاستنبط العلماء لذلك وجهًا مناسبًا وهو أنّ القرآن مع غزارة فوائده اشتمل على ثلاثة معان فقط: معرفة ذات الله تعالى وتقدّس٬ ومعرفة صفاته وأسمائه٬ ومعرفة أفعاله وسننه مع عباده. وهو ما انعكس بنحو أتمّ وأكمل في هذه السورة. ولما تضمّنت سورة الأخلاص أحد هذه الأقسام الثلاثة – وهو النفوس- وازنها رسول الله بثلث القرآن.[19]
وكما ذكرنا فإنّ الطابع الفلسفي الروائي هو الغالب على هذه السورة. ولكنّها مع ذلك لا تخلو من الملاحظات الأدبية. على سبيل المثال٬ صرّح علماء النحو أن استعمال الضمير هو لرعاية الاختصار في الكلام٬ ولكن أحيانًا يستعمل الاسم الظاهر بدلًا من الضمير لغرض التأكيد.[20]
يقول السيوطي: الهدف من هذا الاستعمال زيادة التقرير والتمكين؛ مثل «قل هو الله أحد. الله الصمد»٬ وكذلك المرحوم الملا عبد الله يؤكّد على هذا القول٬ علاوة على ذلك فإنّ «هو» ضمير فصل وللتأكيد أيضًا.
ويقول في تفسير الآية الكريمة «قل هو الله احد»: «قل» فعل٬ و فاعل «هو» ضمیر شأن يتقدّم قبل الجملة الإسمية مبتدأ٬ «الله» مبتدأ ثان٬ «أحد» خبر «الله» والجملة خبر «هو». وهنا يذكّر بقاعدة في اللغة العربية فيقول: فإن قلت: أين العائد الذي يربط الجملة بالمبتدأ؟ قلت: قالوا: إنّ الخبر إذا كان مفسّرًا للمبتدأ فلا حاجة إلى عائد٬ وهنا كذلك.[21]
وفي تفسير الآية الكريمة «لم یلد و لم یولد» يقول: اعترض عليه بأنّ سیبویه قد نصّ على أنّ الخبر قد يقدّم على الاسم في باب «كان» ولكن متعلّق الخبر حينئذ لا يقدّم على الخبر؛ لئلا يلزم العدول عن الأصل بمرتبتين٬ فكيف قدّم الظرف وهو «له» على الاسم والخبر جميعًا؟
أجاب النحويون: بأنّ هذا الظرف وقع بيانًا للمحذوف كأنّه قال: «ولم يكن كفوًا أحد».[22]
المصادر:
* القرآن الکریم.
* نهج البلاغة.
- ابن بابویه، محمد بن علي، الامالی، ترجمة: محمد باقر کمرئي، طهران، منشورات کتابچی، ط. 6، ۱۳۷۶.
- ___________؛ عیون أخبار الرضا (عليه السلام)، طهران، منشورات جهان، 1378هـ.
- استادی، رضا؛ تفسیر منتسب به امام حسن عسکرى (عليه السلام)؛ قم: مؤسسة تبيان الثقافية والمعلوماتية، 1387.
- البحراني، السید هاشم الحسیني، البرهان في تفسیر القرآن، دار الکتب العلمیة، قم، 1334 ش.
- بهشتي، محمد، خدا از دیدگاه قرآن، منشورات مكتب نشر الثقافة الإسلامية، 1374، ط. 7.
- الخمیني، السید مصطفی؛ تفسیر القرآن الکریم، منشورات مؤسسة إعداد ونشر تراث الإمام الخميني، 1418هـ، ط. الأولى.
- رضائي أصفهانی، محمد علی؛ منطق تفسیر قرآن(1) روشها و گرایشهای تفسیر قرآن، منشورات جامعة المصطفی(ص) العالمیة، قم، 1385 ش.
- السیوطي، جلال الدین عبد الرحمن أبي بکر، 1407هـ، الاتقان فى علوم القرآن، دار الکتب العلمیة، بیروت.
- مکارم شیرازي، ناصر وجمع من الباحثين، تفسیر الأمثل، دار الکتب الاسلامیة، طهران، 1364 ش.
* باحث حوزوي.
[1]. عابدینی، عظیم؛ فعالیتهای تفسیری علامه ملاعبدالله بهابادی؛ ص 2.
[2]. الصدر، السید حسن؛ تأسیسالشیعه؛ صص 315 إلى 347.
[3]. دوّنت قبل العصر الصفوي تفاسیر فقهیة مختلفة منها على سبيل المثال: تفسير فقهالقرآن لسعید بن هبة الله الراوندي (573هـ)، وتفسير منهاجالهدایه ابن متوج البحراني (820هـ) وتفسير کنزل العرفان لفاضل مقداد(826هـ).
[4]. تفسیر الأمثل.
[5]. ابن بابویه، محمد بن علي، الامالی، ترجمة: محمد باقر کمرئي، ص 1774. ابن بابویه، محمد بن علی، عیون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 1، ص 300 ، ح59.
[6]. استادی، رضا؛ تفسیر المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)؛ ص 521 ، ح 319.
[7]. المصدر نفسه؛ ج 1، ص 302.
[8]. مکارم شیرازی، ناصر؛ تفسیر الأمثل، ج 1، ص 320.
[9]. بهابادی، الملا عبد الله، درة المعانی، ص 14.
[10]. سوره الانفطار، الآیة 19 .
[11]. البهابادي، الملا عبد الله؛ درة المعاني، ص 17.
[12]. سورة فصلت، الآیة 53 .
[13]. نهجالبلاغة، الحکمة 82، الفقرة 3 .
[14]. البهابادي، الملا عبد الله؛ درة المعاني، ص 20.
[15]. المصدر نفسه.
[16]. المصدر نفسه.
[17]. المصدر نفسه، ص 21.
[18]. المصدر نفسه.
[19]. المصدر نفسه، ص 23.
[20]. المصدر نفسه؛ ص 24.
[21]. المصدر نفسه.
[22]. المصدر نفسه.