العلاقة الجدلية بين الملا عبدالله اليزدي والمظفر في المفرد والمركب
خالد جعفر مبارك[1]
عبد الكريم جعفر الكشفي[2]
تصحيح: حسين صافي
ملخص:
يتناول المقال بأسلوب وصفي تحليلي العلاقة الجدلية بين الملا عبد الله اليزدي والشيخ المظفر في موضوع المفرد والمركب. في البداية يشرح المفرد في اللغة ثم في اصطلاح النحاة وهو: «الذي لا يدل جزؤه على جزء معناه»٬ ويقسمه إلى اسم علم واسم جنس.
في المبحث التالي يشرح المفرد في اصطلاح المناطقة وهو : «اللفظ الذي لا جزء له مثل الباء من قولك: كتبتُ بالقلم». بعد ذلك ينتقل إلى موضوع المركب فيستعرض تعريفه عند بعض النحاة والمناطقة وهو: اللفظ الذي له جزء يدل على جزء معنها حين هو جزء مثل (الخمر مضر). يعقد الكاتب مقارنة بين الملا عبد الله والشيخ المظفر في المفرد وهما يتفقان على معناه العام ويختلفان في تفاصيله.
يقارن الكاتب بين اليزدي والمظفر في اللفظ المركب٬ فيقول هو عند الأول: «لفظه ]لفظ الجلالة[ مركب من حروفه المتعددة لكن معناه بسيط لأنّ المركب يحتاج إلى وجود أجزائه قبل وجوده ثم إلى انضمام الأجزاء بعضها مع بعض٬ وكلا الاحتياجين مستحيل في الوجود الغني بالذات».
ينقسم اللفظ المركب عند اليزدي إلى مركب تام وناقص. فإذا كان ممّا يحسن السكوت عليه فهو تام وإلّا فهو مركب ناقص. بينما يقول المظفر عن المركب: «هو اللفظ الذي له جزء يدل على جزء معناه حين هو جزء». لقد استعمل المسلمون علم المنطق كوسيلة لإثبات عقائدهم والدفاع عنها كما استعملوه في شتى العلوم منها علوم القرآن وعلوم الحديث والفقه والنحو.
الكلمات المفتاحية: المفرد٬ المركب٬ الملا عبد الله٬ الشيخ المظفر٬ مركب تام٬ مركب ناقص.
مقدمة:
يعد العلامة الملا عبد الله اليزدي من أكبر فلاسفة وعلماء العهد الصفوي، ويحمل الكثير من السمات البارزة والكبيرة وخاصة بالمنطق٬ وان دراسة شخصيته وتأثر العلماء من خلال الدخول في ساحة معرفته أو من خلال آثاره أمرٌ تكتنفه صعوبات عديدة؛ لأن معرفتنا بالملا عبد الله ليست كافية ولا تزيد عن كونه عالم من مدينة يزد، وكان استاذا جهبذا يدرس في حوزة النجف وحوزات ايران٬ وله كتاب واسع الانتشار يسمى الحاشية على علم المنطق للتفتازاني٬ من هنا فإنّ التعريف بكتاب هذا العالم الكبير والمعروف تعريفا بسيطا، يعد الأولوية الرئيسية لنا، فيما يتعلق بهذه الشخصية.
لقد كان الملا عبدالله اليزدي صاحب رأي وعالم وموقف في الكثير من العلوم، فإلى جانب التعليم والأنشطة والمسؤوليات الاجتماعية، عمل مدرساً لسنوات كثيرة في العلوم الدينية والعلوم الحوزوية الرائجة آنذاك في مدينة أصفهان وكذلك شيراز والنجف الاشرف فأكتسب شهرة واسعة بين علماء الدين وطلبة الحوزة، ومنهم من تأثر به وبعلميته الكبيرة التي انتشرت في الآفاق ، وما هو واضح بالنسبة لنا هو ان المقدرة العلمية للعلامة عبد الله البهابادي اليزدي جاءت في جلها نتيجة كتابه المعروف ومن خلال كونه عالماً متعدد التخصصات والمواهب.
إنَّ تكريم المكانة العلمية والأخلاقية للعلماء المسلمين وخاصة علماء الشيعة يعد أمراً محموداً ومنشوداً، والملا عبد الله ليس بشخصية مجهولة، فقد ذاع صيته في الأوساط العلمية وعند العلماء، سيما وانه عاش ردحاً من الزمن بالنجف٬ لكن هناك قضايا مجهولة ونقاط هامة حوله يجدر بنا ان نبحث في أفكاره وأحواله وإحياء الآثار الأخرى له، كي تظهر عظمته أكثر من ذي قبل.
لابد لنا ونحن نستذكر الملا عبد الله أن نخوض في مصادر الابداع التي تشكل موهبة الانسان ونتفحص ما تناقلته النظريات والشروحات والتعليقات في هذا المجال .. للوصول الى اسرار هذا الالهام والكشف عن مكوناته، لاسيما وانه موجود في اغلب التعليقات والشروحات والتصنيفات ... وأكاد ان اجزم ان هذا العنصر الكبير ، هو الاكثر التصاقاً بتجربة كثير من الطلاب والباحثين ممن عاصروه وممن تأثروا به بعده ونعني به الدرس المنطقي والحوزوي.
سنتناول في بحثنا العلاقة الجدلية بين الشيخ محمد رضا المظفر والملا عبد الله في موضوع المفرد والمركب عبر ثلاثة محاور هي:-
1-مفهوم المفرد والمركب.
2-مقارنة جدلية بين الملا عبد الله والمظفر في المفرد.
3-نظرة الملا عبد الله والمظفر الى المركب.
مفهوم المفرد والمركب
المفرد لغة: هو الوتر والجمع افراد وفرادى على غير قياس كأن جمع فردان وفرد وفارد وفريد، وكانه بمعنى منفرد ..وطبيعة فاردة انقطعت عن الطريق وكذلك السدرة الفاردة التي انفردت عن سائر السدر ، وفرائد وفريد الدر اذا نظم وفصل بغيرة([3]).
واللفظ المفرد عند النحويين هو الذي لا يدل جزؤه على جزء معناه . مثل لفظ - باب، ومنتدى ، وعلم ، وكتاب ، ومنطق ... وغيرها من الالفاظ الواحدة غير المضافة ، فهي ان جزأناها لا يدل جزؤها على جزء معناها ، فلفظ منتدى مثلا ، لا يدل جزؤه على جزء معناها فحرف الميم ( م ) من هذه الكلمة لو أخذناه لوحده فانه لا يدل على جزء معنى ( منتدى ) ، وكذلك زيد او اي لفظ مفرد اخر فان جزأه لا يدل على جزء معناه ، وعندما نأخذ حرف (ز) من كلمة زيد فان هذا الجزء من كلمة ( زيد ) لا يدل على جزء معنى زيد ( كرأسه أو يده مثلاً ) ([4])وهكذا .
وينقسم المفرد إلى قسمين : اسم علم ، واسم جنس .
أولا ـ العلم : يقصد به الاسم الذي يدل على مسماه بذاته ، ودون قرينة خارجة عن لفظه مثل محمد، مكة، فاطمة، القدس، أبو يوسف، عبد الله. فالكلمات السابقة دلت بلفظها وحروفها الخاصة على معنى واحد معين محسوس، ولا تحتاج هذه الدلالة إلى مساعدة لفظية أو معنوية لتساعدها على أداء المعنى، بل تعتمد على ذاتها في إبراز تلك الدلالة. فالاسم العلم كما عرفه ابن عقيل هو الاسم الذي يعين مسماه مطلقا، أي من غير تقيد بقرينة تكلم، أو خطاب ، أو غيبي، أو إشارة حسية، أو معنوية، أو زيادة لفظية كالصلة وغيرها من الزيادات اللفظية الأخرى ، أو المعنوية التي تبين وتعين مدلوله، وتحدد المراد منه لأنه علم مقصور على مسماه. أما ابن الحاجب فقال: المفرد ما وضع ليستعمل في واحد بعينه سواء كان ذلك الواحد مقصودا بالوضع كما في الاعلام او كما في غيره٬[5] وينقسم إلى أنواع:
أ ـ باعتبار تشخيص معناه إلى علم شخصي وعلم جنس .
ب ـ باعتبار الأصالة في الاستعمال إلى مرتجل ومنقول .
ج ـ باعتبار اللفظ مفرد ومركب .
د ـ وباعتبار الوضع إلى اسم ، وكنية ، ولقب .
اما المفرد فيقصد به المناطقة:
(أولاً) اللفظ الذي لا جزء له، مثل الباء من قولك: كتبت بالقلم، و(قِ) فعل أمر من وقى يقي.
(ثانياً) اللفظ الذي له جزء إلا أن جزء اللفظ لا يدل على جزء المعنى حين هو جزء له، مثل: محمد. علي. قرأ. عبد الله. عبد الحسين. وهذان الأخيران إذا كانا اسمين لشخصين فأنت لا تقصد بجزء اللفظ (عبد) و(الله) و(الحسين) معنى أصلاً، حينما تجعل مجموع الجزأين دالاً على ذات الشخص. وما مثَل هذا الجزء إلا كحرف (م) من محمد وحرف (ق) من قرأ.
نعم في موضع آخر قد تقول (عبد الله) وتعني بعبد معناه المضاف إلى الله تعالى كما تقول (محمد عبد الله ورسوله). وحينئذ يكون نعتاً لا اسماً ومركباً لا مفرداً. أما لو قلت (محمد بن عبد الله) فعبد الله مفرد هو اسم أب محمد.
والمركب عند النَّحْويين: "ما تركَّب من كلمتين فأكثر"، وذكر الشيخ العطَّار في "حاشيته على شرح الأزهريَّة": أنَّ أكثرَ النُّحاة على أنَّ المفرد ما تُلُفِّظ به مرَّةً واحدة، والمركَّب ما تُلُفِّظ به مرَّات والواقع أنَّ المركب لا يُتلفَّظ به مرَّتين، وإنَّما مرَّةً واحدة كالمفرد، ولكن لأنَّه يُتَلفَّظ بكلِّ جزء من أجزائه - وأقلُّ ما يتألَّف المركب من جزأين - جُعل التلفُّظُ بجزئه تلفُّظًا بكُلِّه، فعندما يُتَلفَّظ بِجُزْأَيْهِ فكأنَّما تُلفِّظَ به مرَّتين، وهذا التَّعريف مبنيٌّ على تعريف أهل المنطق السابق: «ما يدلُّ جزء لفظه على جزء معناه»، فإذا كان جزء المركب يدُلُّ على جزء معناه، فكأنَّ التَّلفُّظ بالجزأين تَلفُّظٌ به مرَّتين. ولكلِّ جزء قبل التركيب معنى، فإذا رُكِّب الجزآن أفادَ مجموعهما معنًى جديدًا، لم يكن لأيِّ واحد منهما قَبلَ التركيب... والمركب والتركيب في بعض الاحيان يدخل في حيز الابهام مما يتطلب ازالة الغموض عن اللفظ او التركيب وإيضاحه للمتلقي اثراءا للدلالة٬ ويقول ابن يعيش ان هذا الامر يحتاج إلى بيان «لا يتم حتى تصله بكلام بعده تام».[6]
أما المركب فيقصد به المناطقة: ويسمى القول٬ وهو اللفظ الذي له جزء يدل على جزء معناه حين هو جزء مثل (الخمر مضر)، فالجزءان: (الخمر)، و(مضر) يدلّ كل منهما على جزء معنى المركب. ومنه (الغيبة جهد العاجز) فالمجموع مركب و(جهد العاجز) مركب أيضاً. ومنه (شر الاخوان من تكلّف له) فالمجموع مركب، و(شر الاخوان) مركب أيضاً، و(من تكلّف له) مركب أيضاً. وقد قيل ان المفرد هو اللفظ الذي يزيل شبهات[7] الدلالات فيحدد معنى واحدا بيّنًا لتعلق تلك النسبة المبهمة فيدفع بغموضها ويخرجها من حيز الابهام الى نطاق الوضوح.[8]
مقارنة جدلية بين الملا عبد الله اليزدي ومحمد رضا المظفر في المفرد
لكل من اليزدي والمظفر آراء في المفرد والمركب ، يتفقون في المعنى العام لكنهم يختلفون في جزئياته، فاليزدي يرى بأنّ المفرد: هو اللفظ الذي لا يقصد بجزء منه الدلالة على جزء معناه وهو يأتي على اقسام اربعة منها : -
- ما لاجزء للفظه لبساطته كهمزة الاستفهام مثلاً فهذا يصدق فيه انه لم يقصد بجزء منه الدلالة ولو لانتفاء الموضوع تجزء اللفظ0
- ما لاجزء لمعناه لبساطته ايضاً نحو لفظ الله بالنسبة الى واجب الوجود فأنه تصدق فيه القضية السالبة السابقة الذكر ولو لانتفاء موضوع تجزء المعنى 0
- ما لا دلالة جزء لفظه على جزء معناه نحو زيد وعبد الله علما لشخص٬ فإنّ الأعلام تعتبر قطعاً غير قابلة للتجزء في اسمائها ومسمياتها وان كانت في الاصل مركبات كعبد الله ومحمد علي ،وتأبط شراً وبعلبك0
- ما يقبل ان يدل جزء لفظه على جزء معناه ولكن لم يقصد ذلك كالحيوان الناطق شعاراً وعلماً لشخص الانسان فان الحيوان الناطق حيث يطلق في جواب السؤال عن زيد وعن عمرو وعن غيرهما انما يقصد به ان زيدا انسان٬ فكما يعتبر الجواب بالانسان عن السؤال بزيد قطعة واحدة لا تتجزأ فكذلك ما هو بقصده في معناه.
ويمكن ان يكون اللفظ المفرد المؤلَّف من أكثر من حرف هجائي مثل (محمّد) أو المؤلَّف من أكثر من كلمة مثل (عبد الله) - اسماً لشخص- إذا كان معناه واحداً مركّباً أي له أجزاء، فإنّ أجزاء اللفظ - كما هو واضح - لا يدلّ شيء منها على شيء من أجزاء المعنى، وإنّما اللفظ بكامله يدلّ على المعنى بكامله. فاللفظ - هنا - لا يدلّ جزؤه على جزء معناه، وهذا يعني أنّ المركّبات النحويّة إذا كانت أسماء أعلام هي في رأي المناطقة تدل على المفرد0
ومن خلال ما تقدم يمكننا حصر المفرد وفق راي اليزدي في ثلاثة محاور:
- اللفظ المفرد الذي له معنى:ولا يدل جزؤءه على جزء معناه وليس فيه دلاله على الزمان ...مثل:زيد، حديد ، حيوان ويسمى الاسم.
- اللفظ المفرد الذي فيه دلالة على الزمان فقط يدل على زمان مضى او حال او استقبال ويسمى الطلمة.
- اللفظ الذي ليس له معنى مستقل في نفسه ولكنه يدل عل معنى م، اذا وضع في ضمن كلمة مثال.[9]
بينما يرى المظفر بأن المفرد هو : اللفظ الذي لا جزء له : مثل الباء من قولك كتبت بالقلم، و(قِ) فعل أمر من وقى يقي. وهو ايضاً: اللفظ الذي له جزء الا إن جزء اللفظ لا يدل على جزء سواء كان المعنى جزء مثل محمد او لم يكن مثل لفظ الجلالة ، فإن الله سبحانه منزَّه عن التركيب ؛ لان المركب يحتاج الى وجود اجزاءه قبل وجوده ، ثم يحتاج الى التأليف بين هذه الاجزاء ، وواجب الوجود غنيُّ عن كل شيء ، غير محتاج ، أي حين جزء ذلك اللفظ جزءُ لذلك اللفظ، فعبد الله علماً حين هو جزء لهذا اللفظ لا يدل على جزء معناه اما هو جزء لغير هذا اللفظ كعبد الله غير علم فانه يدل على جزء المعنى 0
ويرى ايضاً في مواضع اخرى إنَّ قول (عبد الله) وتعني بعبد معناه المضاف الى الله تعالى كما تقول (محمد عبد الله ورسوله)وحينئذ يكون نعتاً لا اسماً مركباً لا مفرداً اما لو تقول (محمد بن عبد الله) فعبد الله مفرد هو اسم ابي محمد 0
ويرى ذلك عند النحويين فعندهم (عبد الله ) اذا كان اسماً لشخص مركب لا مفرد لان الجهة المعتبرة لهم لهذه التسمية تختلف عن الجهة المعتبرة عند المناطقة 0 اذ إنَّ النحوي ينظر الى الاعراب والبناء فما كان له اعراب او بناء واحد فهو مفرد ، والا فمركب ، كعبد الله علماً ، فان عبد له اعراب ، والله له اعراب اما المنطقي فانما ينظر الى المعنى فقط 0
اذن المفرد عند المنطقي هو : اللفظ الذي ليس له جزء يدل على جزء معناه حين هو جزء وقد اضاف جمع المشرقون والقاضي قطب الرازي والتفتازاني ، لهذا التعريف قيد القصد أي يدل بالقصد او اريد منه الدلالة او نحو ذلك من الالفاظ فاشترطوا ان تكون الدلالة مقصودة ليدخل التعريف مثل الحيوان الناطق حال كونه علماً على شخص انساني اذ ان لهذا العلم جزء يدل على جزء معناه حين هو جزء لان كل شخص انساني فيه الحيوانية والناطقية ،فلفظ الحيوان يدل على الحيوانية ولفظ الناطق يدل على الناطقية لكن هذه الدلالة غير مقصودة.
المعنى ان العلم اما ان يتعلق بالأمور المفردة كتصورك لصديقك زيد او لتصورك العدد خمسة فهذه الامور هي مفردات.
ومن خلال ماتقدم نجد ان المناطقة قد اتفقوا في النظرة العامة للمفرد والمركب لكنهم اختلفوا في جزئياته ، فنجد في رأي اليزدي تأثر واضح في علوم البلاغة والنحو ، بينما نرى المظفر يبسط من التعريف متأثراً بذلك بعلوم القران الكريم 0
مقارنة جدلية بين الملا عبد الله اليزدي ومحمد رضا المظفر في المركب
يعدُّ اللفظ المركب من المسائل التي خضعت الى مزيد من التدقيق والشرح لدى المناطقة وأهل اللغة، فقال عنه اليزدي: «لفظه ]لفظ الجلالة[ مركب من حروفه المتعددة لكنّ معناه بسيط لأنّ المركب يحتاج إلى وجود اجزائه قبل وجوده ثم الى انضمام الاجزاء بعضها مع بعض وكلا الاحتياجين مستحيل في الوجود الغني بالذات».[10]
ثم اضاف هو كل ما يتعلق بالمركبات وقد قسموا المركب الى مركب تام وهو ما يصح السكوت عليه او قل هو الجملة المفيدة كقولنا زيد قائم والى مركب ناقص وهو ما لا يصح السكوت عليه كقولنا غلام زيد وان قام زيد وتسكت فان السامع يبقى منتظرا لتكمل كلامك .
وهو: مايدل جزءه على جزء معناه .- مثل لفظ ( عبد علي ) فإن ( عبد ) يدل على العبودية، و( علي ) يدل على الامام علي مثلا ، ومجموع اللفظين يدل على معنى معين وهو أن - قنبرا مثلا - عبد ومملوك لعلي عليه السلام . فنكون قد وصفنا قنبرا بأنه عبد ومملوك لعلي عليه السلام.
- وكذلك لفظ ( محمد نبي ) فـ( محمد ) صلى الله عليه وسلم يدل على شخصه عليه السلام ، و(نبي) يدل على النبوة ، ومجموع اللفظين يدل على ان هذا الشخص - محمد - نبي . اذن فجزء هذا اللفظ ( محمد نبي ) يدل على جزء معناه .
- وكذلك لفظ ( عبد الله ) يدل جزؤه على جزء معناها ، حيث يدل ( عبد ) على العبودية، ولفظ الجلالة ( الله ) على الذات الإلهية المقدسة، ويدل مجموعهما على ان الانسان عبد ومملوك لله سبحانه وتعالى ، ونحن قد ( وصفناه) بأنه عبد لله عز وجل.
اذا كان لفظ ( عبد الله ) اسما لشخص وليس وصفا ، حينئذ لا يدل جزء هذا اللفظ على جزء معناها ، فنحن نشير الى خصوص ذلك الشخص ونقول ان اسمه ( عبد الله ) .
وعندما آخذ جزء هذا اللفظ واذكره للغير فانه لن يفهم جزء معنى ذلك الشخص ، فاذا قلت له ( عبد ) فهذا الجزء لايدل على جزء معنى الرجل المسمى عبد الله .
وهكذا في أي لفظ مركب ، فعبارة ( ابلغ سلامي وتحياتي لجميع الأخوة الاعضاء) إذا أصبحت بكاملها اسما لشخص تكون ( في علم المنطق ) لفظًا مركبًا لا مفردًا.
ويقسم اللفظ المركب حسب رأي اليزدي الى مركب تام وآخر ناقص ، فاذا قلت :
( ان جاء الفقير فتصدق عليه وأكرمه ) فان هذه الجمله تعتبر في علم المنطق ( مركب تام ) ، واذا قلت : ( ان جاء الفقير...... ) ولم تكمل العبارة ، فان هذه الجملة بالرغم من أنها مركبة من عدة كلمات ، إلا أنها ( ناقصة ) ولايحسن السكوت عندها .
اذن اللفظ المركب اذا كان مما يحسن السكوت عليه فهو ( مركب تام ) واذا كان مما لا يحسن السكوت عليه فهو مركب أيضا ولكن ( ناقص ) . ينقسم اللفظ المركب التام الى قسمين هما: الخبر والانشاء.
الخبر : كل مركب تام له نسبة بين أجزائه ويصح أن نصفه بالصدق أو الكذب
وهو أهم قسم في المقام ، ومتعلق بالتصديق وبحث القضايا التي سيأتي ذكرها في مباحث قادمة إن شاء الله تعالى.[11]
بينما يقول المظفر عن المركب: «هو اللفظ الذي له جزء يدل على جزء معناه حين هو جزء.[12] ويضرب على ذلك عدة امثلة منها قولنا (الخمر مضر) فالجزآن الخمر ، ومضر يدل كل منهما على جزء معنى المركب 0
وينقسم المركب وفق رأي المظفر الى تام وناقص، والتام ينقسم الى خبر وانشاء ، وهو ما يكتفي السامع منه باللفظ دون الحاجة الى لفظ اخر لإتمام معناه ، وهو ما يصح السكوت عليه اما اذا قال ((قيمة كل امرئ 00)) وسكت او قال (اذا علمت) من غير جواب الشرط فأن السامع يبقى منتظراً ويجده ناقصاً حتى يتم كلامه وهذا هو المركب الناقص وهو ما يصح السكوت عليه.[13]
كما يفرق المظفر بين ما إذا كان اللفظ اسما للشيء وبين ما اذا كان وصفا له ، فاذا كان اسما فان جزأه لا يدل على جزء معناه ، وان كان وصفا فان جزأه يدل على جزء معناه ويعطي لذلك مثالاً هو قولنا (مدينة بغداد صغيرة )، فان هذه الجملة تحتمل الصدق وتحتمل الكذب ، فقد يكون القائل لهذه العبارة صادقاً ، وقد يكون هذا الخبر كاذباً ، وعلى أي حال فان هذه القضية ( مدينة بغداد صغيرة ) تحتمل الصدق وتحتمل الكذب . مع التنويه الى ان الكذب في المنطق يختلف عن الكذب المتعارف ، فهو الحكم على قضية ما اما بالصدق والمطابقة للواقع، واما بالكذب ، حتى لو جاءني سلمان الفارسي رضي الله عنه مثلا وقال لي انني رأيت حاتم الطائي ، فانه ( اذا ) كان مخطئاً ، فان هذه القضية منه تكون كاذبة ، حتى لو كان سلمان مشتبها ولم يكن سيء النية في اخباره ، الا اننا نحكم عليه بالرغم من ذلك ان قضيته كاذبة، نعم نحن لانحكم عليه شرعا بالكذب لكن في المنطق يعتبر اخباره كذب.[14]
والانشاء : عكس الخبر ، أي اللفظ الذي لايحتمل الصدق والكذب .مثل : اللهم صل على محمد وآل محمد . فهذا اللفظ المركب ، بالرغم من أنه تام ، الا أنه لا يحتمل الصدق والكذب، فلا نستطيع ان نصفه بالصدق أو بالكذب ، وهو دعاء ، كما أن الانشاء من الممكن أن يكون سؤالا مثل: اسألك فكاك رقبتي من النار ، وقد يكون نهياً مثل: لا تجالس دعاة السوء ، وقد يكون نداءا مثل: يا الله ، وقد يكون تمنياً مثل: ليت أمي لم تلدني، وقد يكون تعجبا مثل: ما أجمل أن نعيش بسلام، وقد يكون عقدا مثل : بعتك الكتاب بدينار ، وقد يكون ايقاعاً كما اذا خاطب المولى عبده وقال له : أنت حر لوجه الله . وكل ماتقدم من امثلة ليس لمعانيها حقائق ثابتة في أنفسها .
ومن خلال ما تقدم نجد أن كتاب الحاشية لليزدي ظلّ الأكثر تداولاً في علم المنطق في الحوزات العلمية و غير الشيعية أيضاً٬ نظراً لمزاياه العديدة مثل تحاشي الإطناب٬ و أسلوبه الرائق و الشيّق٬ و إحاطة المؤلف بعلم المنطق٬ فهذه العوامل و غيرها جعلت الكتاب يحظى بإعجاب واهتمام المحافل العلمية 0 بينما جاء كتاب المظفر بأسلوبه السهل والمبسط المراعي لأذهان القراء والدارسين مما يبعث الحيوية ويكسر طوق الجمود عن كتب المنطق التي تتطلب كداً ذهنياً لفهم مفرداته المنطقية 0
نتيجة البحث
- استفاد فلاسفة الاسلام من المنطق اذ استعملوه كوسيلة لاثبات عقائدهم من جهة وللدفاع عنها من الجهة الاخرى وخاصة بعد النهضة العصرية الغربية.
- علم المنطق موضوعي يعتمد على الواقع الفعلي الحقيقي لا الافتراضي وله علاقة بعلم النفس، وهو علم مستقل ليس جزءًا من الفلسفة او اي علم آخر وهو من افعال العقل من حيث الصحة والفساد عكس الفلسفة فانها تبحث في علم الوجود.
- استخدم علماء الاسلام المنطق في شتى العلوم منها علوم القرآن والحديث والفقه والنحو، فهو من العلوم الممهدة للعلوم الاسلامية.
- ان علم المنطق نسبي فنظرياته وقوانينه لا تصلح دائما ولا تصدق دائما ويقول بعض الفلاسفه ان المنطق: كالسيف يجاهد به شخص في سبيل الله ويقطع به آخر الطريق.
- علم المنطق من العلوم الدخيلة على العلوم الانسانية فقد جاءنا من الفكر اليوناني، ربما ان المنطق منسجم مع العلوم الاسلامية فقد تم تقبله من قبل علماء المسلمين.
- يعدُّ كتاب الحاشية لليزدي من اهم الكتب في علم المنطق لما يحتويه من مميزات مثل تحاشي الإطناب٬ و أسلوبه الرائق و الشيّق٬ و إحاطة المؤلف بعلم المنطق0
- يعدُّ كتاب المظفر تكملة لما جاء به اليزدي باسلوب سلس مبسط يراعي أذهان القراء لعلم المنطق 0
المصادر
- الاجمال والتفصيل في التعبير القراني٬ سيروان عبدالزهرة الجنابي٬ مطبعة النماء٬ بغداد٬ 1431هـ0
- الاصول في النحو٬ أبو بكر محمد بن السري بن السراج (م 316 هـ)٬ مؤسسة الرسالة٬ بيروت٬ 1985م0
- حاشية على تهذيب المنطق٬ تأليف الملا عبد الله اليزدي٬ تعليق: السيد مصطفى الحسيني الدمثي٬ منشورات دار التفسير٬ قم المقدسة0
- خلاصة المنطق، عبد الهادي الفضلي، باقيات، ايران ، ط. 1 ، 1427هـ 0
- شرح المفصل٬ موفق الدين بن علي بن يعيش (م 643 هـ)٬ مطبعة عالم الكتب٬ بيروت0
- الصحاح إسماعيل بن حماد الجوهري (م 396 هـ)٬ دار المعرفة٬ بيروت٬ 2012م.
- الكافية في النحو٬ ابن الحاجب جمال الدين بن عمر (م 646 هـ)٬ مطبعة الآداب٬ النجف الأشرف٬ ج 1980،2م0
- المدخل الى علم المنطق٬ علاء الجعفري٬ الغدير للنشر والتوزيع٬ قم المقدسة0
- المقدمة المنطقية٬ هشام الاسدي٬ مؤسسة بضعة الرسول٬ بغداد٬ 2012م٬ ص 43.
- المقرر في شرح منطق المظفر مع متنه المصحح ، السيد رائد الحيدري0
[1] دكتوراه أدب إسلامي٬
[2] بكالوريوس آداب شريعة٬ الكلية التربوية المفتوحة ديالى٬
[3] الصحاح اسماعيل بن حماد الجوهري(م 396هـ)٬ دار المعرفة٬ بيروت٬ 2012م٬ ص 802.
[4] أنظر: الاصول في النحو٬ أبو بكر محمد بن السري بن السراج(م 316 هـ)٬ مؤسسة الرسالة٬ بيروت٬ 1985م٬ ص 417.
[5] الكافية في النحو٬ ابن الحاجب جمال الدين بن عمر (م 646 هـ)٬ مطبعة الآداب٬ النجف٬ ج 1980،2م٬ ص 128.
[6] شرح المفصل٬ موفق الدين بن علي بن يعيش (م 643 هـ)٬ مطبعة عالم الكتب٬ بيروت٬ ج 3 ٬ ص 150.
[7] خلاصة المنطق، عبد الهادي الفضلي، باقيات، إيران، ط. 1 ، 1427هـ٬ ص 24.
[8] أنظر: الاجمال والتفصيل في التعبير القرآني٬ سيروان عبد الزهرة الجنابي٬ مطبعة النماء٬ بغداد 1431 هـ٬ ص 213 0
[9])) أنظر : المدخل الى علم المنطق٬ علاء الجعفري٬ الغدير للنشر والتوزيع٬ قم المقدسة٬ صص 208 ٬ .62 0
[10])) حاشيةعلى تهذيب المنطق..تاليف الملا عبدالله اليزدي..تعليق السيد مصطفى الحسيني الدمثي.. انتشارات دار التفسير..قم المقدسة..د.ت...ص42
[11] المقدمة المنطقية٬ هشام الاسدي٬ مؤسسة بضعة الرسول٬ بغداد٬ 2012م٬ ص 43 0
[12] المقرر في شرح منطق المظفر مع متنه المصحح ، السيد رائد الحيدري ، ج 1 ٬ ص 79.
[13] أنظر: في شرح المنطق٬ ص 80 0
[14] أنظر: في شرح المنطق٬ ص 85 0