نُشر كتاب تهذيب المنطق، تأليف سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، بشرح عبد الرزاق اللاهيجي، وتصحيح الدكتور مرتضى حاج حسيني، من قِبل مؤسسة البحث في الحكمة والفلسفة.

ربما لا يكون من المُبالغة القول إنّ هذا الكتاب يُعدّ أحد أهمّ النصوص المعتمدة في تدريس علم المنطق في العصر الإسلامي، وحتى اليوم، وخاصةً في إيران. كُتب هذا الكتاب ونُظّم في قسمين أساسيين. أمّا القسم الأوّل منه، وهو الأكثر شيوعاً وشهرةً، والذي طُبع مراراً وتكراراً في إيران والعراق والهند وباكستان وأفغانستان ومصر، وحتى تركيا، فهو القسم الذي يُعزى إليه صيت الكتاب. بينما اعتبر حاجي خليفة القسم الثاني مُختصراً من كتاب “المقاصد” للتفتازاني نفسه، وهو كتاب في الماورائيات والكلام.
كان اسم الكتاب كاملاً في الأصل “تهذيب المنطق والكلام”، إلا أنّ قسم الكلام منه اليوم لم يعد يُقدّم جديداً، مع أنّ شهرة الكتاب وخلوده تعودان إلى قسمه الأوّل.
يُظهر تأليف هذا الكتاب، أي “تهذيب المنطق والكلام”، بجلاء مكانة المؤلف في جهوده للحفاظ على ما كُتب قبل الغزو المغولي، حيث سعى، من خلال الشرح والنسخ، إلى صون ما تبقى من تلك الكتابات، وإنقاذها من الضياع. وقد فرغ المؤلف، الذي بدأ عمله المهمّ هذا منذ سنّ السادسة عشرة، من كتابة هذا الكتاب في شهر رجب من عام 789 هـ. وبمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي للمدرسة الفلسفية بأصفهان في العام الماضي، عاد هذا المُؤلَّف المنطقي المهمّ إلى الواجهة، وهذه المّرة بتصحيح الدكتور مرتضى حاج حسيني، أستاذ المنطق بجامعة أصفهان، باعتباره نصاً ينتمي إلى هذه المدرسة، وبشرح فارسي من قِبل الحكيم الفاضل عبد الرزاق اللاهيجي الذي عاش في القرن الحادي عشر، زمن الصفويين، وقد طبعته مؤسسة البحث في الحكمة والفلسفة في كتاب واحد، وهو حدثٌ مباركٌ، دون ترجمة فارسية للنصّ نفسه.
طُبع القسم الأوّل منه طبعاتٍ متعددة، وشُرح مراراً، وكُتبت عليه حواشي مُتنوعة. كما تُرجم هذا القسم إلى لغات عديدة، وخاصةً إلى الفارسية، وإلى لغات أخرى أيضاً.
يُعرّف المؤلف كتابه قائلاً: “هذا غاية تهذيب الكلام في تحرير المنطق والكلام. الذريعة”. وقد عُزي سبب شهرة “تهذيب المنطق” إلى كونه أفضل نصّ في المنطق، حيث ذاع صيته بين السنّة والشيعة، ولذلك كُتبت عليه شروح وحواشي مُتنوعة. هذا الكتاب “تهذيب”، أي مُنَقّى من الحشو والزوائد والتكرار، وفيه بيان لمباحث علم المنطق المُختلفة. يبدو أنّ المبدأ الذي اتّبعه المؤلف في عمله هذا لم يكن مبدأ “أوكام” المُتَّبع اليوم، بل هذا المبدأ القائل بأنّ التعريف يجب أن يكون قليلاً ودالاً، مع أنّ الزمان كان يُملي عليه أكثر من أيّ مُرشد. فهذا المبدأ في منطق أرسطو كالسَّمَكِ في الماء، وقد أدرك مُطالِعو المنطق وكاتبوه هذه النقطة جيّداً منذ زمن كتابة هذا الكتاب. ولذلك، كان الإقبال على “التهذيب” كبيراً في الماضي، وحتى اليوم. يقول التفتازاني في مقدّمة “التهذيب”: “كتبت هذا الكتاب كدرس لابني، حبيب الله، الذي يحمل اسم النبيّ”.
هناك قصةٌ شهيرةٌ تُروى عن هذا الكتاب، مفادها أنّ سعد الدين التفتازاني، بعد أن فرغ من كتابة “تهذيب المنطق والكلام”، ادّعى أنّه سيُعطي لكلّ من يستطيع حذف كلمةٍ من عبارةٍ في هذا الكتاب، أو تغييرها دون تغيير المعنى، مئة درهم من الذهب عن كلّ كلمة. ودائماً ما يُفهم من رواية هذه القصة أنّ أحداً لم ينجح في ذلك، وبالتالي لم يحصل على المئة درهم.
كان هذا نهجاً مُتَّبعاً لدى المشّائين في الماضي، بحيث يكون الدرس مُلتزماً بالنصّ المكتوب إلى حدّ كبير، لأنّه قائمٌ على النصّ، وكانوا يعتقدون أنّه يجب أن يكون كذلك. ولأنّ النصّ نفسه يجب أن يكون دقيقاً وقريباً من الحقيقة، مكتوباً بقلم عالمٍ أو أستاذٍ أو حكيمٍ مُتميّز، يملك أهلية الحديث عن الحقيقة بشكل عام، أو حقيقة ذلك العلم بشكل خاص.
إذا أخذنا حواشي اليزدي، التي تُعتبر في الواقع شرحاً لـ “تهذيب المنطق”، في الحسبان، يُمكننا أن نُحصي أكثر من مئة شرح وحاشية وشرح شرح لـ “التهذيب”. إنّ كتاب أو مُؤلّف اليزدي، وهو حاشية الملّا عبد الله، مع أنّه حاشيةٌ على هذا الكتاب، بل يُعرف بهذا الاسم، إلا أنّه يتمتّع بهويّة مُستقلّة، لأنّه مشهورٌ جدّاً لدى أهل علم المنطق. حتى إنّ جزءاً من شهرة “التهذيب” يعود إلى شهرة هذه الحاشية. حتى إنّهم أطلقوا عليها أسماءً مثل: “المُطلق”، “الحاشية”، أو “حاشية” -بصورة مُطلقة-، مع أنّه لم يكن هذا القصد مُتَوَخّىً في البداية، وكان هذا الاسم عامّاً قَصْدِيّاً.
أحد أهمّ أسباب شهرة “تهذيب المنطق” هو حاشية نجم الدين الملّا عبد الله اليزدي القيّمة، التي كُتبت في عهد الشاه طهماسب الصفوي لتفسير وبيان “تهذيب المنطق”. وقد كانت دقيقةً وكاملةً لدرجة أنّ هذه الحاشية على الكتاب أصبحت أكثر استخداماً ككتابٍ دراسيٍّ من كتاب “تهذيب المنطق” الشريف نفسه في إيران والهند. استمرّ هذا التوجّه نحو حاشية الملّا عبد الله اليزدي لدرجة أنّهم قالوا عنها:
“توهمت آیات لها فعرفتها/ لست أعوام و ذوالعام سابع”
لا تزال حاشية الملّا عبد الله تُعتبر في إيران والعراق والهند وباكستان، في المدارس الدينية القديمة، الكتاب الأوّل المُعتمد في المنطق، وتُدرّس حتى الآن. فعلى سبيل المثال، في الحوزات العلمية في قم والنجف ومشهد، وفي الحوزات العلمية الأخرى ذات الطابع القديم، لا يزال كتاب المنطق الدراسي الوحيد هو حاشية الملّا عبد الله على كتاب “تهذيب المنطق” للتفتازاني، لأنّه يُعدّ من النفائس التي نجت من عاصفةٍ هوجاء. ولعلّ قول شارح “تهذيب المنطق”، أي فياض اللاهيجي، الذي أورده المُصحّح المُحترم للكتاب في مُقدّمته، يُعبّر عن ذلك خير تعبير:
“ما أمانتدار عشقیم من الأزل / ما على ما لا يُطيق الدّهرانِ”
كُتبت حاشية الدواني، وحاشية اليزدي، وحاشية غلام حسين الفيض، وعدّة حواشي أخرى على “تهذيب المنطق”. يُمكننا أن نذكر العديد من الشروح والحواشي التي كتبها حكماء ومُختصّون في المنطق على هذا الكتاب القيّم على مرّ السنين.
بالطبع، يجب أن نضع في اعتبارنا أنّ المُراد بالمنطق في جميع مواضع هذا النصّ هو ما يُسمّى اليوم بالمنطق القديم، والذي يُقابله، أو بالأحرى يُوازيه، المنطق الحديث.
مُلخّص مُحتويات تهذيب المنطق:
خلاصة ما جاء في “تهذيب المنطق”، ضمن مُقدّمة وخمسة عشر فصلاً وخاتمة، هي كالتالي:
رتّب التفتازاني كتابه، بعد الخطبة، في أربعة أقسام:
المُقدّمة، المقصد الأوّل، المقصد الثاني، الخاتمة.
المُقدّمة: تقسيم العلم إلى قسمين: التصور والتصديق. وينقسم كلّ منهما إلى بديهي ونظري. ثمّ يتطرّق إلى وقوع الخطأ في النظر والاستدلال، وحاجة العلماء إلى المنطق كأداةٍ تحمي الإنسان من الخطأ. ثمّ يتحدّث عن موضوع علم المنطق، أي المعرِف والحجّة.
الفصل الأوّل: الدلالة، والدلالات الثلاث، وهي المطابقة والتضمن والالتزام، حيث يُبيّنها التفتازاني ويصفها، مُتطرّقاً إلى علاقتها ببعضها البعض. كما يُشير، ولو إشارةً، إلى تقسيم اللفظ، وأنواع الألفاظ المُفردة والمركّبة.
الفصل الثاني: تقسيم اللفظ المُفرد إلى كليّ وجزئيّ، والنسب الأربع: التساوي، التباين، العموم والخصوص المُطلق، والعموم والخصوص من وجه.
الفصل الثالث: بيان الكليات الخمس، وهي: الجنس، الفصل، النوع، العرض الخاص، العرض العام. كما يُناقش في هذا الفصل مفهوم الكليّ، ويُقسّمه إلى ثلاثة أقسام: الكليّ المنطقي، الكليّ الطبيعي، الكليّ العقلي.
الفصل الرابع: لتصوّر الشيء، يجب أن يكون لدينا تعريفٌ له بواسطة المعرِف(ات)، وهذا التعريف قد يكون حدّاً أو رسماً، وكلّ منهما قد يكون تامّاً أو ناقصاً.
الفصل الخامس: ابتداءً من هذا الفصل، يُناقش التصديق بعد التصور. في البداية، تُعرّف القضية على أنّها قولٌ قابلٌ للصدق أو الكذب. ثمّ يُقسّم أنواع القضايا. في التقسيم الأوّل، هناك: الحمليّة، والشرطية. الأولى مُركّبة من موضوع ومحمول ورابط. والثانية مُركّبة من مُقدّم وتالٍ. ثمّ تُقسّم القضية إلى: شخصية وطبيعية. ومن جهة أخرى، تُقسّم إلى محصورة ومهملة، وإلى: خارجية وذهنية وحقيقية، وإلى: معدولة ومحصّلة، وإلى: موجّهة وغير موجّهة. وتُقسّم الموجّهة إلى بسيطة ومركّبة. والقضية البسيطة إلى: مُطلقة، ومشروطة عامّة، ووقتية مُطلقة، ومنتشرة مُطلقة، ودائمة مُطلقة، وعرفية عامّة، وممكنة عامّة. وتُقسّم القضايا الموجّهة المركّبة إلى: لا ضرورة ذاتية، ولا دوام ذاتي، وكلّ منها يُناقش بالتفصيل.
الفصل السادس: القضية الشرطية المُتّصلة اللزومية والاتفاقية، والقضية الشرطية المنفصلة الحقيقية. كما تُناقش القضايا المانعة الجمع، المانعة الخلو، العنادية، والاتفاقية.
الفصل السابع: يُعرّف التناقض في هذا الفصل، وما هي شروطه، وكيف يختلف قضيّتان مُتناقضتان في الكَمّ والكيف والجهة، وكذلك اتّحادهما من جميع الجهات في الحالات المذكورة.
الفصل الثامن: يُناقش عكس المُستويّ، وهو تحويل طرفي القضية بشرط بقاء الصدق والكذب، وكذلك كيف القضية كما كانت في أصلها. كما يُبيّن أنّ عكس القضية الموجبة، سواءً كانت كليّةً أو جزئيةً، يكون دائماً جزئيّاً، وأنّ عكس السالبة الكليّة هو السالبة الكليّة نفسها، وأنّ السالبة الجزئية لا عكس لها. وفي نهاية الفصل، يُذكر مِلاكٌ لجميع القضايا التي لها عكس. يقول هذا المِلاك: إذا وضعنا نقيض عكس القضية وأصلها في صورةٍ قياسيةٍ من الشكل الأوّل، فستكون النتيجة مُحالةً، وبالإبطال نقيض عكس القضية، تُثبت القضية نفسها.
الفصل التاسع: يُعرّف عكس النقيض على أنّه تحويل نقيضَيْ الطرفين مع بقاء الصدق والكيف. وبناءً على هذا التعريف، فإنّ عكس نقيض الموجبة الكليّة هو الموجبة الكليّة نفسها، ومنها الموجبة الجزئية لا تُحوّل إلاّ إلى جزئية.
الفصل العاشر: في هذا الفصل تُبحث أقسام القياس المختلفة. أولاً تعريف القياس: كلام مركّب من قضايا يستلزم بذاته كلاماً آخر. فإن كان هذا الكلام الآخر موافقاً لمادة القياس الأصلي وشكله فهو قياس استثنائي، وإلاّ فهو قياس اقتراني. ثمّ يقسّم القياس الاقتراني إلى حملي وشرطي. ثمّ يبيّن مراده ومراد سائر المناطقة من الحدود الأكبر والأصغر والأوسط. بعد ذلك يتناول مفاهيم الكبرى والصغرى والترتيب المذكور لأشكال القياس الأربعة. يقول: إن كان الأوسط محمولاً في الصغرى وموضوعاً في الكبرى فهو الشكل الأول، وإن كان محمولاً في كلٍّ من الصغرى والكبرى فهو الشكل الثاني، وإن كان موضوعاً في كلّ منهما فهو الشكل الثالث، وإن كان عكس الأول فهو الشكل الرابع. ثمّ يذكر شروط الأشكال الأربعة من حيث الصورة، أي إيجاب الصغرى ووجودها وكلّية الكبرى في الشكل الأول، واختلاف الصغرى والكبرى في الكيف وكلّية الكبرى ودوام الصغرى وعكس السالبة الكبرى وجمع القضية الممكنة مع الضرورية أو كون الكبرى مشروطة في الشكل الثاني، وإيجاب الصغرى ووجودها وكلّية إحدى المقدمتين أي الصغرى أو الكبرى في الشكل الثالث، وإيجاب كلتا المقدمتين وكلّية الصغرى أو اختلاف المقدمتين في الكيف وكلّية إحدى المقدمتين في الشكل الرابع. كما بحث بالتفصيل أيضاً ضربات القياس المنتج في الأشكال الأربعة من حيث الصورة.
الفصل الحادي عشر: القياس الشرطي الاقتراني وتركيبه من متصلتين أو منفصلتين أو حمليّة ومنفصلة، وكيفية حصول الأشكال الأربعة فيه بإيجاز.
الفصل الثاني عشر: القياس الاستثنائي وتركيبه من مقدّمة شرطيّة ومقدّمة حمليّة. فإن كانت المقدّمة الشرطية متصلة فالنتيجة وضع المقدم ورفع التالي، وإن كانت حقيقية فالنتيجة رفع كلّ منهما أو وضع كلّ منهما، وإن كانت مانعة الجمع فالنتيجة وضع كلّ منهما، وإن كانت مانعة الخلوّ فالنتيجة رفع كلّ منهما. وكذلك تسمية القياس الاستثنائي بقياس الخلف وهو “إثبات المطلوب بطريق إبطال نقيضه”. كما بحث أيضاً إرجاع قياس الخلف إلى القياس الاستثنائي والاقتراني.
الفصل الثالث عشر: في هذا الفصل اقتصر على ذكر تعريف الاستقراء وهو “بحث الجزئيات لإثبات حكم كلي”.
الفصل الرابع عشر: في هذا الفصل عُرّف التمثيل أو بُيّن: بيان مشاركة جزئيّ لجزئيّ آخر في علة الحكم. ذُكر طريقان رئيسيان لهذا التعريف من التمثيل وهما الدوران والترديد.
الفصل الخامس عشر: في هذا الفصل بُحثت الصناعات الخمس، وهي كالتالي:
الصناعة الأولى: البرهان، والقياس البرهاني يتشكّل من اليقينيات الستّة، وهي: الأوّليات، المشاهدات، التجارب، الحدسيات، المتواترات، والفطريات؛
الصناعة الثانية: الجدل، والقياس الجدلي يتألف من المشهورات والمسلّمات؛
الصناعة الثالثة: الخطابة، والقياس الخطابي يتكوّن من المقبولات والمظنونات؛
الصناعة الرابعة: الشعر، والقياس الشعري يؤلّف من المخيلات؛
الصناعة الخامسة: السفسطة، والقياس السفسطي يتشكل من الوهميات والمشبّهات.
الخاتمة: بُحثت هنا الأجزاء الثلاثة لكلّ علم. وهذه الأجزاء هي: الموضوع، والمبادئ، والمسائل. ثمّ يتناول رؤوس الثمانية أو الأصول الثمانية باعتبارها مقدّمة لعلم ما، ويناقشها.
الأصول الثمانية هي: الغرض، الفائدة، العنوان، المؤسّس، النوع، المرتبة، التقسيم، وطرق تعليم ذلك العلم.