التقي المجلس العلمي والتنفيذي لمؤتمر تكريم العلامة البهابادي اليزدي في 24 أغسطس 2015م بسماحة آية الله السيد جواد الشهرستاني (الممثل المفوض لسماحة الله العظمى السيستاني) في مكتبه في مدينة قم المقدسة.
في مستهل اللقاء أشار الدكتور حسن عبدي بور الأمين العام العلمي للمؤتمر إلى دور الإيرانيين وخدماتهم في الحضارة الإسلامية بالقول: لا يمكن لأي فئة وتيار أن ينكر أو يرفض دور الإيرانيين في نمو الحضارة الإسلامية والعلوم الإسلامية وتطورها. فالإيرانيون وبعيداً عن التعصبات القومية وتاريخهم العريق قبل الإسلام٬ قدموا خدماتهم بصدق وإخلاص للإسلام ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، وفي فترة الغيبة الكبرى دعموا الإسلام الأصيل والمعتدل للإمامية في إطار منظومة الوكالة وتنظيم علماء الدين، ورمز هذه الصيانة في إطار المرجعية الدينية، تبلور في تقديم الخدمة للأماكن المقدسة وإقامة مراسيم العزاء للأئمة المعصومين، من جهة أخرى فإن حب أهل البيت عليهم السلام وإحياء الأماكن المقدسة للائمة والاهتمام بالشعائر الشيعية في إطار مجالس العزاء وذكرى استشهاد الأئمة كان دائما سببا في توحيد الشيعة وانسجامهم. يعود تاريخ هذا الانسجام إلى تأسيس الحوزة العلمية في النجف الاشرف. ويرجع تبلوره إلى عصر الصفوية، إذ استطاعت الحكومة الإيرانية وفي عصر الإمبراطورية العثمانية ان تدافع عن الأماكن المتبركة وشيعة العراق، وبهذا ترسخت علاقة الشعبين الإيراني والعراقي.
في يومنا هذا يحاول بعض المتزمتين أن يثيروا علامات الاستفهام حول خدمات الدولة الصفوية، والى جانب أعداء الشيعة يريدون القول بان الشيعة هي صنيعة الحكومة الصفوية. على هذا فان تكريم علماء مجاهدين مثل العلامة الملا عبد الله البهابادي اليزدي يمثل فرصة لإعادة قراءة تاريخ التطورات الماضية، وان نظهر بان حكومة إيران آنذاك وعلماء التشيع قدموا الكثير من الخدمات إلى الأماكن المقدسة والشعب العراقي.
في فترة حكم الشاه عباس وبعد استعادة بغداد من الحكومة العثمانية، تطورت مدينة النجف الاشرف وازدهرت كثيرا وسكن الشاه عباس لعشرة أيام في النجف الاشرف إلى جانب مقام الإمام الأول للشيعة، وأمر بإصلاح مشكلة مياه النجف والطرق المنتهية إلى النجف الاشرف وكذلك تمهيد الظروف لإرسال الزوار إلى العتبات المقدسة.
كما تم مزج الحكومة في مدن العراق المقدسة ورئاسة الأماكن المقدسة بأمر من الشاه عباس. كان الهدف هو ضمانة تلك المناطق تنفيذ القوانين الدينية.
فيما يلي نقدم كلمة آية الله الشهرستاني حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
ان إقامة مراسم تكريم المفاخر وإحياء آثار الكبار له تأثير كبير فضلا عن الأجر المعنوي. ذلك ان الكبار هم من نقلوا المعارف الدينية، وكما يقال "كم ترك السابق للاحق" و"ما ترك السابق للاحق"؛ أي ان الاهتمام بالتراث الكبير الذي تركه السابقون لنا، والاستفادة الصحيحة من ذلك التراث يمكن ان يترك تأثيره في تحسين وضعنا في مختلف المجالات، من الطرق ومدلولات تقدير العلماء هي هذه المراسم لتكريمهم وإحياء آثارهم. انني أتذكر في بداية عمل مؤسسة آل البيت عليهم السلام وانطلاقة قيامها بالأبحاث والدراسات، قال أحد الكبار لي: "انكم اعملوا في سبيل إحياء آثار الكبار بصدق، فتحظون بلطف وعناية هؤلاء الكبار، ودعاءهم ينير طريقكم". أي ان قضية تعظيم المقام العلمي والمعنوي للعلماء لا يجب ان يعتبر قضية بسيطة.
ان الملا عبد الله البهابادي كان من كبار منطقة يزد وكان من العلماء المؤثرين في العصر الصفوي. ان الصفوية قدمت خدمات كثيرة إلى الشريعة. ان يتم تمييز التشيع الصفوي عن التشيع العلوي، فانه أمر غير صحيح. فان مبدأ تاريخ الشيعة لم يكن عهد الصفوية، وان حمل كبارنا وأئمتنا قبل الصفوية نفس المعتقدات الشيعية المتداولة والصحيحة، فانه يؤدي إلى إفشال الشبهة تلك ولا يجب ان نخاف منها. فكان الملا عبد الله يعيش في تلك الفترة ولعب دورا في تقوية المذهب ونشر المعارف الدينية. وان إقامة المؤتمر تكريما له يعد أمرا إيجابيا، انني أتذكر بانه عند إقامة مؤتمر الشيخ مفيد، إذ كانت مسئوليات الدول العربية على عاتقي، التقيت بشخصيات مثل القرضاوي (إذ لم يكن يحمل مثل الآن توجهات سلبية شديدة) ومحمد عمارة من مصر وحسن حنفي. في فترة إقامة المؤتمر التقى الكثير من الكبار مثل سماحة آية الله أميني واستادي ويزدي بسماحة قائد الثورة آية الله الخامنئي، وقد أعرب عن سروره لإقامة مؤتمر ألفية الشيخ مفيد وقال ان إقامة هذا المؤتمر يعد أمرا مهما، لكن تعالوا لنقوم بالأمر بشكل منظم وبتخطيط وانتظام، تعالوا نقيم سنويا مؤتمرا لكل من هؤلاء الكبار. في عامنا هذا نقيم مؤتمر أمثال الشيخ المفيد وفي العام القادم مؤتمر الشريف المرتضى وثم المحقق الكركي والعلامة الحلي و. اليوم توجد مثل تلك الفرص في الجمهورية الإسلامية يجب الاستفادة منها وقد لا تسنح هذه الفرصة دائما تعالوا نسير في هذا المسار". فان هذه التوصية تعد حكيمة ومنطقية ومع انه لم يقام إلا ذلك المؤتمر مع الأسف، ولم يتابع أحد قضية المؤتمرات، لكن تلك النظرة أي النظرة المستمرة لإقامة مراسيم تكريم المفاخر والمشاهير الشيعة تعتبر قضية تحمل الكثير من المنافع، ولا نرفع شعارا فحسب، لكن لا نستمر بالعمل. علينا بذل الاهتمام والمساعي الجبارة والاستفادة من كل الإمكانيات بقدر الإمكان، للكبار حق في أعناقنا انهم وبالإمكانات القليلة استطاعوا تقديم الخدمة للمذهب والدين. وبحمد الله في عصرنا هذا توجد الكثير من الإمكانيات وحبذا لو استطعنا تقديم آثارهم بشكل جيد، انني لو استطعت ان أقوم بعمل ما في هذا المجال فابذل كل ما بوسعي، أي انني أحاول بدوري بذل التعاون الضروري في قم والعراق ولبنان والأماكن الأخرى، اننا نستطيع ومن خلال بناء العلاقات وإعداد النسخ في البلاد العربية ان نقدم العون. من الضروري الاستفادة من النخبة في هذا المجال، بإمكاننا الوصول إلى القمم، لكن بسبب تكرار عبارة لا نستطيع فإننا آمنا بأننا لا نستطيع، في مجتمعنا يوجد "قانون الإقصاء" وانه وراء مصائبنا وإبادتنا. تعالوا نحافظ على بعضنا البعض، انني أقول دائما كلمتي وأوجه انتقادي لكن أمد يد العون إلى الجميع. بعون الله القدير نحقق النجاح في مسار نشر المعارف الإلهية وإحياء آثار الكبار وتكريم مساعيهم. نسأل الله ان يوفقنا في إقامة مؤتمر الملا عبد الله البهابادي رحمه الله العظيم وإحياء آثاره وتقديمه كما ينبغي. والسلام وعليكم ورحمة الله وبركاته.